المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف في الحكمة

اليوم الخامس عشر: إنّ الله مع الصابرين

صورة
  لعلّ الناس يفهمون الابتلاء بلغطٍ واضحٍ، وحقيقة ذلك منبعه من عدم درايتهم بالمسألة من وجهها المشروع، فيظّنون أن المرء يؤجر علىٰ الابتلاء، ويتناسون أن الأجر لا يكمل إلَّا بصبرهم علىٰ ذلك. ولو وعوا هذا الطرح لاستقامت لهم نفوسهم وفق المعنىٰ الذي نعرفه عن الصبر. ولا أدري كيف تصبر بعض النفوس علىٰ عدم صبرها، أعني ما رأيتُ الجزع يغني عن المرء شيئاً، ولو كان الدموع تعيد ما تأسّىٰ عليه الإنسان، لما عاش في الأرض سعيد. فيحضرني مشهدٌ لأعظم الخلق، يوم وقف سعيداً وقد رُزِق بولدٍ بعد أن شارف علىٰ نهاية المسير، نظر وهو في الستين من عمره إلىٰ ولده ابراهيم، وفي عينه نظرة الأب لابنٍ له يراه بعد سنين من آخر واحدٍ قد توفي صغيراً، فلكأنّي أراه مستبشراّ ومهلّلاً، يبشّر أصحابه بولده، ويذبح له عقيقته. والنَّاس في فرحاً وسرور لنبيهم إذا رُزِق ولده الوحيد في آخر عمره. ثم ما إن مضت أشهرٌ معدودة، حتَّىٰ جاء الخبر الَّذي ساد الحزن فيه المدينة، وخشعت أصوات السرور لحضرة الموت، فيلتقط عظيمنا ابنه، ويراه يحتضر، وليس له من حيلته شيء، وعيونه تذرف الدموع التي كانت قد مُلِئت فرحاً من قبل، ثم يقبله ويقول صابراً متصبّراً...

اليوم الثّاني عشر: النجاح بشقّيْه

صورة
هل أعرّف لك النجاح؟ كيف أفعل وأنا الذي تحصّلت في الثانوية العامة علىٰ درجة 76%! ليس الأمر بأنّي متقبّل لفكرة أنّ هذه الدرجة لا تعد من النجاح بشيء، وأنّك يا إنسان إمّا أن تكون أو لا تكون، إما أن تنل الامتياز، أو أنت في أسفل السافلين، وحينها، لك أن تدرس تخصص الشريعة أو أن تكون مدرّس لغة انجليزيّة أو عربيّة في أحسن الأحوال. نعم لستُ ممن يعتقد هذا، ولكنّي بحالٍ من الأحوال وسط النَّاس، الذين ينظرون للدرجة الثانوية علىٰ أنها مقياسٌ للنجاح من عدمه، وهي الميزان الذي يضعون علىٰ كفّته أبناءهم، فمن حاز 90% فما فوق فهو من نخبة النخبة، ومن الحضرة، وبياض البلد، وعلية القوم، والطبقة المخملية. وإنّ من سبل الترقي في درب النجاح الذي صِيغ عند العوام، وتجامع الناس عليه عهداً طويلاً، وصار فيهم قاعدةً لا يُحاز عنها، ولا يُحايد فيها، ولا يُعتدُّ بغيرها؛ أن يدرس المرء الطب أو الهندسة. فهما كريال مدريد وبرشلونة، فمن اختار أتلتيكو مدريد أو اشبيلية فهو فاشلٌ لا محالة، امرؤٌ ما وجد تخصّصاً تشفع له درجته أن يدخله، فأُوجد له بعض تخصّصات العلوم الإنسانية، لعلّه ينشغل بفشله هناك، ويثري مرآنا بعدم رؤيته، ولا يصرع رأس ...

اليوم الحادي عشر: الإيمان

صورة
  «بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسولُ الله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعتَ إليه سبيلاً، قال: صدقتَ، فعجبنا له: يسأله ويُصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمةُ ربَّتها، وأن ترى الحُفاة العُراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، ثم انطلق، فلبثتُ مليّاً، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يُعلمكم دينَكم.» رواه مسلم. نعم كنتُ كلما قرأتُ هذا الحديث عن سيدنا عمر -رضي الله عن...

اليوم الثّامن: الخوف، ومغالبته

صورة
  كان السؤال الَّذي دائماً ما حار في ذهني عن الخوف وأحواله ودرجاته، وهل شعور الرّجل به هو نقصانٌ في رجولته، وقدحٌ فيه وذمٌّ لمكانته؟ قد علمنا أنّ مناط شجاعة المرء مغالبته للخوف ساعة أن يقدم عليه، كقول العرب: «إنّما الشّجاعة صبر ساعة». وحين يغلبه الخوف يُحال في الوصف إلىٰ الجُبن، الَّذي هو نقيضه. فحتّىٰ مجرّد الاعتراف المرء لنفسه، وحديثه في سرّه الَّذي لا يطّلع عليه غير ربّه، عن مخاوفه هو نوعٌ من الأسيلة المؤرقة لذهني. فلطالما وجدتني أكابر علىٰ نفسي أن أعترف بخوفي من شيءٍ ما، أتهيّب حتَّىٰ الاعتراف، وأن أسقط في عين نفسي ذاتها، وقد أرىٰ وقد تبعتُ قول جبران: «وعظتني نفسي؛ فعلّمتني ألَّا أطربَ لمديحٍ، ولا أجزعَ لمذمّةٍ» أنّ النّفس هي القاضي الذي أنصاعُ لحكمه، وهي الميزان الَّتي أزنُ فيها الطّبائع الَّتي أتخلّقها؛ حسنها من وجه المروءة وسيئها. وليس دوماً باعثُ الدّين ميزانٌ في كلّ الأخلاق، فنعم قد حثّ علىٰ البر والمكارم والمروءات، ولكن أخبرني هل يجب علىٰ المرء أن يكون شجاعاً؟ مثلاً أن يهرب المرء من رجلٍ مجنون، هل هذا جُبن؟ أن يتهيّب المرء صعود المرتفعات، هل هذا جُبن؟ أن يخشىٰ الموت، هل ه...

قيد البداية

صورة
قد تنوء بك حماسة الإقدام علىٰ مسألةٍ، وتنبري لها عاقداً عزمك، ومبدياً حزمك، وساعياً بكلّ عنفوانك تقدم عليها إقدام من لا يُثني مسألته بالعود. ثمَّ حين تشرع بتجهيز لامتك لخوض غمارها، ترىٰ نفسك تقدِّم قدماً، وتبطئ أخرىٰ، وما هو احترازٌ من عواقب قد تنوبك، ولا بدرءٍ لمصيبةٍ قد تلمّك، إنَّما هو شيءٌ يُقيّدك عن الإقدام، وليس فيه نتيجةٌ تخشاها. هٰذا يرحمك الله أمرٌ تراه في كلّ مسائلك الَّتي تعتركها، وهو الخوف من الجديد. وحتّىٰ ولو لم يكن جديداً، إنَّما فقط أنَّه خروجٌ عن مألوف ساعتك الاعتياديّة الَّتي تقضيها عادةً. أفلا ترىٰ نفسك حين تهمُّ بالسَّفر يعتريك بعض الخطب، وتشعر أنَّه هناك بأساً لا تعلمه يرقبك. ومثله إن شرعت في أي عمل، كبيراً كان أو صغيراً، يكفي أن يكون خارجاً عن طور سيروريَّة يومك الطّبيعي.  لكأنَّ هٰذا إن رُمنا تحيليل كلّ صعاب يقتحمها المرء؛ أنَّ المسألة في تلكم السَّاعة. هي السَّاعة الَّتي بوحدها لو قضيتها ومررتها بسلامةٍ، فسترقىٰ وتخطو بسلامة لا ريب. وفي هٰذا شيءٌ ممَّا قالته العرب منذ قديم عهدها حين وصفت الشَّجاعة: «إنَّما الشَّجاعة صبرُ ساعة»، فإن تخطَّيت تلك السَّاعة الَّت...

المقالة رقم ١٠٠: لا تُستنسخنَّ، كُن أنتَ

صورة
  دع عنك أحلامك الَّتي ساورتكَ حيناً من عمرك، واقضي عن نفسك أثقال مكهلي ضهر الإنسان في زماننا هٰذا، ممَّن استستقوا حياتهم ونعيمها من أقلام الغرب، الَّذين ملأت مادَّة الحياة أنفسهم، حتَّىٰ صارت الغاية رفعةُ النَّفس بمنصبها لا بمكارمها، وبمالها لا بمروءتها. وباتت نفسك الَّتي تُصْلىٰ في قديم العهود، أيَّام الجاهليَّة بنيران المكارم الَّتي تُقسم المرء أنصافاً لحيازة مجدها، وعظيم شأنها، باتت هٰذه النَّفس معجونةٌ بخُيلاء الجاه والوجاه، وبما أردفه النَّاس عليها من شعورٍ بكبح الزُّهد إلىٰ استنشاطها عند الطَّمع، واستبرائها من أوقات الفزع، وباقتحامها آجال المغانم، وانكفائها عن المغارم. أبيتَ عزَّاً سؤدده في الحِلم، ومنقصته في السَّفاهة والحمق إن أرخيت مسامعك إلىٰ أراجيف هٰذه الفردانيَّة المعاصرة.. يا أيُّها الحاجب دع عنك تلك الجداول المُعتَّة، الَّتي تدَّعي تنظيم الوقت والزَّمان، وتخبرك أنَّك آلةٌ متطوِّرةٌ، محدودةٌ بعامل الزَّمن وحيِّز المكان، فتجعل نفسك إنَّما مهامٌ تُقضىٰ، لا مخلوقاً وهبه خالفه الصَّنعة في نفسه، والحرِّيَّة في ذاته. فأبيتَ أراك إلَّا أن تختزل نفسك في صورةٍ هلاميَّةٍ تدَّع...

لعلَّك قنطتَ من حال الأُمَّة، فهلَّا أنصتَّ؟

صورة
  اقترب الجيش من مشارع دمشق، وهاج النَّاس يفرُّون من أرض الشَّام، وصوبهم كان حتفهم؛ فإمَّا ضياعٌ في أرض سيناء، وإمَّا مكوثٌ فمقتلةٌ بيد المغول، والنَّاس بين الأمرَين في أمرَّين! لحىٰ الله الإسلام، هل يفنىٰ علىٰ يد هٰذا الصِّنف من البشر، أولاد عمومة يأجوج ومأجوج! أو رُبَّما كانوا هم يأجوج ومأجوج بذاتهم، فلا يُخيَّل إلىٰ النَّاظر لأفعالهم إلَّا ما ورد عن شدَّتهم وبأسهم! فمن للشَّام إذ تُؤخَذ؟ ومن للعراق إذ أُخِذت؟ وقبل ذاك فارسُ وخرسان! هٰذه دولة بني العبَّاس قد أُبيدت، وما بقي من خلفهم رجلٌ تؤول إليه عهد الخلافة، وهٰذه أرض السَّلاجقة قد صار سلاطينها العظام رُعاةً لخيول التَّتار، وأيَّام خوارزم، ولو ذكرنا خوارزم وما آل إليها بآخر سلاطينهم جلال الدِّين، إذ نُبِذ في جزيرةٍ في قزوين، أو رُبَّما قد صار إلىٰ حتفه فإمَّا دعساً تحت حوافر البغال كالمستعصم بالله العبَّاسي، أو جوعاً وحرماناً! فيا للزَّمان ونوائبه، ويا للدهر ومصائبه، يا للدُّنيا وصروفها، وياللأيَّام وحتوفها. وقد تسامع النَّاس بأولٰئك الصِّبية من مماليك بني أيوب، وقد تصاعدوا في الرُّتب، وعلوا في المناصب، واستوزروا الخُطب، واستأث...

حديثُ روحٍ عن قرَّة العين

صورة
  تدقُّ السَّاعة الرَّابعة، معلنةً دخول وقت العصر، يشرع المؤذِّن في أذانه، ويمضي الوقت قريباً. عشرون دقيقةً ثم يعود ليقيم الصَّلاة، وقبل أن يُتمَّ نصف أذان الإقامة، أكون قد قُمتُ لحظتئذٍ إلىٰ الجامع، أهمُّ بفتح الباب، فيتناهىٰ إلىٰ مسامعي قول أبي من ورائي: يلا (بتفخيم اللَّام) أنت وإياه عالصَّلاة! أردُّ: يابا أني راحي للصَّلاة أساساً، هل لازم عليك قولها رغم فتحي الباب؟ لَكَم كنتُ أكره تلك اللَّحظة حينها، تكرار تلك الكلمة: يلا عالصَّلاة، حتَّىٰ ولو كنتَ ذاهباً إلىٰ الصَّلاة، يُقال لك: يلَّا عالصَّلاة! حتَّىٰ لو كنتَ أساساً في الجامع تصلِّي يُقال لك: يلَّا عالصَّلاة! حتَّىٰ لو كنتَ إمام الجماعة حتَّىٰ، يُقال لكَ: يلَّا عالصَّلاة! يلَّا عالصَّلاة أوَّلاً وثانياً وثالثاً ورابعاً وأخيراً. وقد كنتُ حينها بعقلي الطُّفولي أروِّي الأمر في داخلي، فأقول: لا ريب أن أبي لا يأمرني بالصَّلاة إلَّا لِما لها من الأمر العظيم، والمكانة الرَّفيعة، وما في تركها من إثمٍ أعظم، وذنبٍ لا يُغتفر، ولٰكن كيف تُرانب أفعل وأنا الآن أذهب إلىٰ الجامع مُكرهاً، وأصلِّي مكرهاً، فأسهو في صلاتي عن الخشوع إلىٰ تذكُّر أ...

النَّقائضُ والأضداد

صورة
  كيف لكِ أن تعرفي النُّور؟ أليسَ بالظُّلمة؟ والأبيض لا أحسبكُ تُبصرينه علىٰ حقيقته لولا السَّواد، ولا الخيرَ إلَّا بالشَّرِّ، ولا الجمال إلَّا بالقُبحِ، ولن تعرفي فضل الطَّعام إلَّا بالجوعِ، ولا الماء إلَّا بالعطشِ، ولا متعة النَّومِ إلَّا بالنَّعس. تُعرف الأشياء بأضدادها وبنقائضها، يُستبان لكِ المعدن من نحت علىٰ ما يخدشه، وتجلبين منافر الشَّيء لتري صُلبه ولُبَّه، يقول أبو الطَّيب المُتنبِّي: ونديمُهُم وبهِم عرفنا فضلَهُ وبضدِّها تتبَيَّنُ الأشياءُ وقال دوقلة يصفُ دعد: بيضاءُ قد لبس الأديمُ الحسن بهاءً فهو لجلدها جلدُ فالوجهُ مثل الصُّبح مُبيضُّ والشَّعرُ مثل اللَّيل مُسوَدُّ ضِدَّانِ لِمَّا استُجمِعا حسُنا والضِدُّ يُظهِرُ حُسنهُ الضِدُّ فإنَّك لن تري المعاني علىٰ حقيقتها ما إن تعتادينها. الاعتياد جريمة، يُذهب حسَّكِ في فهم الأشياء، ويُغِمٌّ الغشاوة علىٰ عينيكِ فلا تبصرين إلَّا ملامح بُعَيدة المعنىٰ، سافرة الشَّكل، فتحسبين أنَّها كذٰلك علىٰ حيقيتها وما هي كما يُخيَّلُ إليكِ. إنَّ من الفهم العميق النَّظرُ للأشياء بعين البصر وعين البصيرة، وقد اشتركتا -وهٰذا أمر يندُرُ حدوثه- في الم...

مكارم الأخلاق؛ صبرُ ساعة، واختبارُ ساعة

صورة
النَّاس معادنٌ، تختبر أصالة بعضها من رداءتها حين تُمِرُّها علىٰ صفيحٍ ساخنٍ، يُستبان لك عندئذٍ خامة هذا المعدن، فتأخذه أو تدعه. وهذا الصَّفيح في لسان حالنا نعني به مُهمَّات الأمور، ومُلمَّات المسائل، يوم تختبر النَّاس في الصِّعاب، فيسقط البعض وينجح آخرون. وإنَّك لتلحظ الشَّعث الأغبر في حاله، فتُسيء به الظَّنَّ، وتراه تافه المنطق، سفيه المُحيَّا، لا تملك من نفسكَ إلَّا أن تسخر من بساطته المجحفة؛ فتجدك منبهراً يومَ ساعةٍ عَسِرةٍ استنجدتهُ فأنجدك، واستعنتهُ فأعانك، واستطلبتهُ فلبَّاك. بصورةٍ موازيةٍ معاكسةٍ متضادَّة، ترىٰ الفارع الطويل المهيب، ذاك الذي لو ظننتُ أنَّه لو أراد بلوغ الجبال طولاً لفعل، ولو أراد أن يخرق الأرض لخرق، له من المهابة من تحسبه يُستعصم به الجيش العرمرم، ومن العزَّة ما تأوي تحت رايته ملوكٌ وأكاسرة، ومن المنعة ما تستجيرُ به دولٌ وممالك؛ ثم حين تطلبه لا يُلبِّيك، ولا يُنجدك، ولا يُسعفك، قد خسر في ميدان الحاجة، وسقط في ساعة الاختبار. كذا من الأمر إن تُسريه علىٰ الكرم والجود والعطاء، تُبصر سليل الغنىٰ، وهرم الثَّراء قد استجاد بماله حدَّا تحسبه لو اكتفىٰ بعُشر ما أنفق لدام...

حفظتُ شيئاً وغابت عنِّي أشياءُ.. أشياءُ جمَّة

صورة
هل كنت أحسبُني منذ آخر مساءٍ في شهر كانون الأول من عام ٢٠١٩م سأجِدُّ في علياء العلم بعد أن جعلتُ لنفسي منهجاً أقوِّمُ به نفسي في القراءة والاطِّلاع والنَّهم من الكتب والعلم، فأفرغ من وعثاء الدُّنيا ومُتعِها، وأركنُ إلىٰ مجدِها وسناها، حتىٰ يأتي يومٌ أُسْأَلُ فيه أسئلةٍ في شتّىٰ المجالات، من أناسٍ حولي أطنبوا في مدحي، جاوزوا فيه الحدَّ إلىٰ ما بعده، فأطروني، وأعلوني عن مقامي الأسفل، إلىٰ شأوٍ لستُ له أهلٌ. وحتىٰ لو كنتُ كما زعموا -وما أنا حريٌّ بما زعموا ولا صاحب، وأنا من أنا من النَّقص في العلم مقاساً- فلا أراني فيه كلَّما اكتلتُ منه زيادةً إلّا وجدتني حيراناً لنقصانه. فكأن كيسي الذي أتعلَّم منه مخروقٌ غير مُرقَّعٍ، فما أملؤه إلّا نفد، وما أُتمِّمه إلىٰ نصفه حتىٰ يخور إلىٰ عُشرهِ. هبني قنِعتُ بذلك، ورضيتُ بقسمتي التي أقسمنيها ربّي فكيف تُراني أشدُّ علىٰ يد من حولي أُحاجِجهُم بما هو حقٌّ لا يشوبه لبسٌ ولا مُريَة: لستُ كما تتخيلون! لستُ كما تزعمون! لستُ كما تظنُّون! أنا أضعف من بيت العنكبوت، وأضألُ من نملةٍ في قعر جُبٍّ في ليلةٍ مُحاقيَّةٍ سوداء فحماء، لا نور فيها يُرشد، ولا ضياء فيها يُ...

سلاحُ من لا سلاحَ له

صورة
  كان في يومٍ قد فرغتُ فيه من درسي الجامعي، وتوجّهتُ إلىٰ محطّة الحافلات، وإذ بي أرىٰ ازدحاماً علىٰ قلّة الحافلات؛ لا تمرّ الحافلة إلا كل ربع ساعة أنذاك، وكلّما جاءت واحدة؛ كانت ممتلئة، ولا يركب فيه حين تقف إلا اثنين منّا، ولا ألحق أنا بأنا أركب لكثرة الازدحام كما أسلفت. فكنتُ أتأفأف، وأنطلق إلىٰ الموقف الذي يسبق موقفنا هذا، وكلما رحتُ إليه أراه مزدحماً، فأسير إلىٰ الذي بعده، ثم إلىٰ الذي بعد، ثم إلىٰ الذي بعده.. حتىٰ تراني قد قطعت سيراً علىٰ الأقدام ٢٠ دقيقة. حينها فقط عيّ صبري، ونفد احتمالي لذلك علىٰ شدّة في الطقس، وظهيرةٍ ألوت الأكباد لحرورها. ففتحت الهاتف، ودخلتُ حسابي علىٰ منصّة الانستغرام، وكتبتُ نصًاً فيه طعنٌ وتجريح، وسبٌّ شتمٌ في البلدية وأعوانها. ثم أغلقته، وانتظرتُ الحافلة، التي أتت ورأيتها مزدحمة، ولم أستطع كرّة أخرىٰ الركوب، وأتت بعدها واحدة كذلك؛ ولم أستطع اللحاق بها. هنالك، رأيتُ هاتفي يرن، فتحته فرأيتُ أبي الذي يتّصل.. وأنذاك سمعته يوبّخني ويؤنّبني، ويلومني ويعذلني علىٰ ما صنعت. وأعطاني محاضرة يومها في أن: ❞ليس المؤمن بالطعان، ولا اللّعان، ولا الفاحش، ولا البذيء❝. م...

دوري أبطال الكذب

صورة
  قد استحلّ الناس الكذب، وأصابوا منه مغنماً، وصارت لهم عادة بها، لا تفتأُ عنهم، ولا يفترون عنها. وما أدري كيف هَمّ أقوامٌ باقتراف تلك المثلبة التي ليس لها من خصال المسلم الحق نصيب؛ وهم علىٰ ذلك تُبصرُهم قد احترفوه، ودخلوه به معترك دوري الأبطال، حتىٰ صاروا فيه إلىٰ ربع النهائي فنصف النهائي، وما أراهم إلا أنّهم يكونون للرافضة خصوماً في نهائي البطولة، ومن يدري فلربما كان الفوز من نصيبهم. وما أدري رجلاً اقترف الكذب واستحلّه، إلا وهانت عليه ما سواها من الذنوب والمعاصي، فإن الكذب لا يُعمل عند المرء إلا أن يواري علىٰ شيءٍ لا يُحبّذ للناس معرفته، ولا يرىٰ أنه خيرٌ فيكون منعه عن الناس ما بأس فيه= إنما ما استحلّه إلا وقد وجد أن ما صنعه في شرٌّ محضٌ، أو شبهةٌ يدفعها. فمن تمرّس بالكذب؛ لا يصرفه شيءٌ عن الزنىٰ، ولا السرقة، ولا القتل، ولا أيّاً مما يُغضب ربي ﷻ. أتراه وقد سرق، فهل يضرّه بعدئذٍ أن يكذب، أرأيتَ لو قتل، أيسوؤه لاحقاً الكذب، أترىٰ لو زنىٰ، فهل عليه من بعد ذلك أن يكذب من بأس؟ لا، فقد ظهر للناس ما هو أشد، وبان عنده أن الكذب صار أهون الذنوب، فلا حرج عنده أن يستعمل تلكم المثلبة لتحقيق مآ...

وهم الثقافة بالسين

صورة
  أمسك كتابه، وأشعل سيجاره، وشغّل أنغاماً لفيروز أو لأم كلثوم أو لعبد الحليم، وراح يقرأ كتاباً يتحدّث عن نيتشه وأثره علىٰ النازيّة الحديثة في فكرها العنصري القائم علىٰ تنزيه بقايا العرق الآري وورثائه الشرعيين، بعد أن أغلق كتاباً يسرد التفارق بين زيوس كبير أساطير الرومان وأودين قبيله عند الإسكندنافيين. أو عن مغامرات جلجامش في دحره لخصوم الآلهة البابلية والسومرية. أو تراه أبصر كتاباً قبلها يؤسس لمفهوم الجدلية وتباين الآراء في الوجودية المحضة، وعلاقتها بالفردانية التي آل إليها البشر في عالمنا هذا. أو عن تنافح النيوليبرالية مع الليبرالية القديمة، وتلافحها في سبيل النهضوية التي ارتأتها الدول وأخصّ بالذكر الولايات المتحدة الأمريكية ومن تبعها في إجماع واشنطن. أو روايةً لفيودر دوستويفسكي يُؤصّل لمفهوم الكآبة وفقدان الأمل من تغيّر المجتمع ..إلخ وشيئاً من تلك الثقافة المزعومة. أو كما أحب أن أسميها السّقافة، وأقصد بالسقافة معنيَين، الأول؛ كسر الغلو القائم عند معاشر من يُسمّون بالمثقفين علىٰ تعظيم ذاك الطقس القرائي، وذاك الجو الذي يبعث علىٰ إعظامه، لا لشيءٍ إلا لشكل المظهر فحسب؛ إلا أنّه كان ي...