المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف خواطر حول الكتب

اليوم التّاسع: صديقي الذي ما خذلني

صورة
لعلّه من المضحك بعض الشيء حين أعنون الخاطرة بهذا الشكل، ثم يتبادر إلى الذهن أنني سأتحدّث عن شخصٍ بعينه، وألقي عليه عبارات الامتنان والتبجيل على ما أثّر فيّ، فإذا بي أقصد بالصديق الكتاب. بهذا أقتدي لربما بقول المتنبي: وخير صديقٍ في الأنام كتاب إذ أني تفكّرت بكل شخص أطلقتُ عليه يوماً ما مفردة صديق، أو مشتقّاتها من البتروصديقيّات والأصحاب والرفقاء التشاركيّين والمكافحين، وبكل تفصيلةٍ عشتها معهم، بكافة المتع والمغامرات التي قضيناها، وبكل المعاني التي وجدتها في نفسي بقربي معهم، وبما أحرزوه في داخلي، بخيره وشره، سيّئه وحسنه، منافعه ومضارّه، وبما أورثوه في من عاداتٍ ومعايشاتٍ زرعوها في طبعي وفي جبلّتي، وبالأخلاق التي وطّنوني على بعضها، وصرفوا منها شيئاً، تفكّرت في كل ذلك؛ فرأيت ما منهم من أحدٍ بلغ مني مبلغاً أشهد له بعظيم الأثر، وجزيل الأمارات. وقد يزعم قائلٌ أنّ هذا على سبيل الكِبر واغترار النفس ببعض ما وهبه الله، وأنّ التواضع الذي يدّعيه فيه نظرٌ لا يغفله عاقلٌ متبصّرٌ فطن، وأن من التّخلّق الحسن ممّا شهدنا عليه في أخبار من سبق من الأسلاف العظام أن يعرف المرء لغيره حقّه. وهذا لعمري صوابٌ لا ...

وقفةٌ مع كتاب: تاريخِ سوريا الحديث لـعبد الرّحمٰن نمّوس

صورة
  هذه الديار التي اسمها بلاد الشام، ديارٌ علىٰ بركتها اُترِعت فِتناً، وعلىٰ جمالها مُلِئت قبائحاً، وعلىٰ سهولة أرضها زِيدَت مصاعباً ومَكارهاً. هذه ديارٌ لا يزيدك بُعادها إلا قُرباً، ولا تستعصيكَ مرارتها إلا حلاوةً، ولا يُغويك ظلمها إلا عدلاً. ألا فأنعِم ببلاد الشام قاطبةً، وبسوريا خاصّةً. منذ مشارع القرن العشرين، ومع تذبذب أحوال الدولة العثمانيّة، التي أوت إلىٰ انحدارٍ باضطّرادٍ منذ عهد سليمٍ الثالث، وإقراره تشاريع عَلمانيّةٍ في صُلب الدولة، ثم قدوم محمودٍ الثاني وصنعه في الدولة ما صنع محمد علي باشا في مصر من تمرير قوانين غربيّة فرنسيّة وسويسريّةٍ في عصب الدولة وقضائها. الدولة العثمانيّة التي ما حكمت بلاد العرب إلا باسم الله، فكانت تلك كشعرةٍ قصمت ضهر البعير. فعلىٰ ظُلمها في كثيرٍ من الأعوام بسبّة أساليب حُكمها الإقطاعي، وتسلّط وُلاتِها وجُباتها وأمرائها العسكريين؛ فقد سكن الناس ورَوعَهم لمّا ظنّوا أنها دولةً مُسلمةّ؛ لا نخرج فتكون مفسدة. فإن أتيتِ أيتها الدولة وحكّمتِ غير شرع الله فيهم؛ فما الرّادع لهم أن يثوروا؟ وقد أتىٰ عبد الحميد الثاني إلىٰ السلطة، ودعا إلىٰ جامعةٍ إسلاميّةٍ، ...

آكل الكتب

صورة
علىٰ أن صاحبكُم هذا كان حديث عهدٍ بالقرءاة بكل تلك الروح التي جلبتُ له نقاوةً في الفكر، إلا أنّه أحسّ بأن حياته منذ قديم عهده في الكويت كانت مرتبطةً بالقراءة بشكلٍ أو بآخر. وذاك أنّه كلما عاد والده من العمل، فوجده جالساً -حتىٰ ولو كان لتوّه قد عاد من المدرسة شتاءً، أو من العمل صيفاً-؛ همّ بتقريعه وتأنيبه لفراغه ذاك. ولطالما تحسّر والده عليه بأمنيته الشهيرة، حتىٰ إن صاحبكم هذا ما زال يسمع دويّها علىٰ مشارف طبلة أذنه -وهي بالعامية الحورانية-: "إيمتىٰ راح أشوفك يا مْحَمّد تآكل الكتب!" وهي هي نفس أمنية أمّه، إذا لطالما قالت: "مُنىٰ عيني أشوفك يا مْحَمّد قاعد بتوكل الكتب أكل!" ويا لقدر الله، ويا لقضاءه.. دارت الأيام، وانقلبت السنون، وأخذ كل شهرٍ يأكل سابقه، وكل عامٍ ينقضّ علىٰ لاحقه، حتىٰ صارت الأيام تجيء وتلفي، وصاحبكم هذا صار يأكل الكتب "بلا ملح". ومازالت الأيام تأتينا بالعجائب. وجد دعاة أكل الكتب (أمي وأبي) أنفسهم يأمروني أن أشفق علىٰ نفسي، لما ألمّ بي من جشع القراءة، وصار أبي يرسل لي الأموال، ثم يشدّ علي في القول ألا أصرفها في الكتب، وأن أدع بعضها لأقوّي من...