المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف رسائلٌ غيرُ كاشفة

رسالةٌ إلىٰ من أضنته لوعة الهوىٰ

صورة
  لو جئتكَ بالمفردات والمترادفات، وبصَّرتُك فيها أن سألتك عن معانيها، وقلتُ لك حدِّثني عن الشَّجاعة؛ لقلتَ: اقتحام العدو الصَّائل، أو هي صبر ساعة. ولو سألتك عن الكرم؛ لقلتَ: بذلُ بعض ما في اليد، والجود؛ بذل كثير ما في اليد، والإيثار؛ بذل كلَّ ما في اليد. ولو سألتكَ عن الصِّدق؛ لقلتَ: الجهر بما في النَّفس دون توريةٍ، والأمانة؛ لقلتَ: حفظ ما وُضِع في يدك يراده بعد حين. ولو سألتكَ عن الوفاء؛ لقلتَ: حفظ العهد إلىٰ اللَّحدِ.. وغيرها يا صديقي تجد من رموز المكارم معانٍ لا يعسر عليك ترسيخها في عقل كلٍّ امرئ بتعريفٍ واضحٍ جليٍّ غير مبهمٍ ولا ملجلج. فالآن هَبني لو سألتك عن أصل معنىٰ الحبِّ، فما تراك تقول؟ ألا تعلم؟ فإنِّي كذا لا أجدُ ما يُلبِّي النَّفس في تعريفه، وقد تتبَّعتُ بعض أقاويل الأعلام علَّني أجدُ مُنيتي في وصفه علىٰ أدقِّ صورةٍ تنبعث من كلِّ نفسٍ بشريَّة، فأجدُ ابن حزم رحمه الله يقول: - «الحُبُّ -أعزَّك الله- أوَّلُه هَزلٌ وآخِره جِدٌّ، دقَّت معانيه لجلالتها عن أن تُوصفَ، فلا تُدرَك حقيقتُها إلَّا بالمعاناة، وليس بِمُنكَر في الدِّيانة، ولا بمحظور في الشَّريعة، إذ القلوبُ بيد الله ع...

وافاني الطيرُ وما فَعلتْ

صورة
  إني يا عين الحنين، ويا مقلة السنين، ويا طير آذار، ويا رادعة الخطوب، ومانعة الشؤوب، ويا مكّة الغابرين.. وأنا أغبرهم. هاكِ نفسي وقد أسمتكِ بأسماءٍ لا تُعدّ ولا تُحصىٰ، وبألقابٍ عجزتُ أن أذكرها لوقتٍ يتداركني، ثم علىٰ كلّ هذا أمتنع عن ذكر اسمكِ. ولا أعلمُ أهو عارضٌ ألمّ بي ألماً، أم نزعةٌ من نزعات تقاليدٍ متشبّثٌ أنا بها، أم رجفةٌ في الفم أعيت اللسان عن استدراكها؟ واسميكي لعمركِ عينٌ وحاجب. إني قد تجاوزتُ في هذا الشهر عتيّاً من الحزن.. ذاك حزنٌ أن أقدمتُ علىٰ أشياء ما أحببتني أُقدمُ عليها، ومضيتُ إلىٰ أمورٍ كنتُ فيها علىٰ كرهٍ لها أيما بغضٍ، وأيما نفور! ثم رأيتني مقبلاً عليها مكرهاً، ولا أعلمني والله أُصيّر إلىٰ هذه الوقائع بكل تلكم العجلة، حسبتني في بواكير عمري أن أسقط في ذانكم الاختبار. هذا محال.. يا مُقلتي هذا محال! إن الزمان لا يسيرُ برضاي ورضىٰ غيري، وإن سنّة الله مقضيّة، وحكمته مرئية لا تغيب إلا عن جاهلٍ، ولا تستعصىٰ الا على مستكبر. ولا يرد قضاء الله إلا الدعاء، فألحّي حبّاً كما كنتِ في بادئ أمرنا. وإن الناس كرهوا تلميحي لأمورٍ علىٰ غموضها مبرهنةٌ جليّة، وعلىٰ رغم ظهورها فإنها...

صخرةٌ فُلِقت: في أدبيات الاعتيادِ والتّناسي والأُلفةِ والتجلّد

صورة
عدَت عليّ من لحظاتِ عمري أمداً، أنا فيه قد جُبِلتُ علىٰ اشتراكِ المصائبِ. ودنت مني حبائل الدهر بعنفوانها المثبّط للنفوس، المُيْئس للروح، المهلك للقلب؛ أن صيّرتني مرهف الحسّ، مرهق البدن علىٰ سواء. وقد جُبِلتُ علىٰ احتمال شظف العيش، ومرارة المعاشرة؛ فأصبحتُ أسيرٌ جامد الوجه، هامد النفس، علىٰ وجنتيّ أمارات البرودة البليدة= فكأنّ هذا فيه من وسائل النسيان، علىٰ أن البعض قد حسبه أثرٌ من تقلّبات الحياة. وما فيّ إلا أنّي وجدتُ نفسي لا تُغني إن صدّت تلك الريح العاتية، فخيرٌ لي أن أكون كشجرةٍ، ميّالةٍ مع العاصفة؛ تمور مع الريح، وتقرّ بقرارها. فكان لي من نصيب هذا؛كأنّ ثبُتّ في مكاني ولو بعد حين. وهذا لعمركِ نتاج خبراتٍ متراكمةٍ تكاثرت إثر اعتراك الحياة، واختبار روّعاتها. ولربما قد جمعتُ في هذا بؤساً مع تجلّدٍ ظاهر، أي كما قال الجواهري: لم يبقَ عنديَ ما يبتزّهُ الألمُ حسبي من الموحشاتِ الهمُّ والهرمُ لم يبقَ عندي كفاءَ الحادثاتِ أسىًٰ ولا كفاءَ جراحاتٍ تضجُّ دمُ وحينَ تطغَىٰ علىٰ الحرَّان جمرتُهُ فالصمتُ أفضلُ ما يُطوَىٰ عليهِ فمُ وقد تكالبت عليكِ حوادث الأيام، حتىٰ غدت فيكِ حضورها من عدم...