المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف في الأخلاق الحياتية

نَفَس الشّرع: إحاطة ونظرة على الحوادث السّوريّة

صورة
  كان مما أُخبرتُ أنّ الدول بطبيعتها وإن تشابهت في نشأتها وعيشها ثم اندثارها بشيء من خلقة البشر في معاشهم ومماتهم، كما أورد ذلك ابن خلدون، فإن لها مع ذلك أموراً غير التي نعرفها عن طبيعتنا. فإنك لترى أنّ للبشر أفعالاً مناطها العواطف والأحاسيس، وفي جِبلّتهم الظاهرة فيهم أن ما يُسيّس أفعالهم وتحركاتهم؛ أهواؤهم المحضة، وترى تحرّكاتهم تنبع عن ردود أفعال، وإنما هي صدىً لذلك. هذا على غير ما في الدّول، التي تضع في حسبانها منهجيّةً واضحةً في أيّة استراتيجيّةٍ تهمّ بها، ويكون اتّخاذ القرار وفق منظومةٍ تراعي عوامل عدّة، وأمورٍ شتّى، على سبلٍ سياسيّةٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ على سواء، مع مراعة الجوانب الاقتصاديّة، التي نحن وإذ في زمنٍ تداخلت فيها الدول، واشتبكت ببعضها، بعولمةٍ أحالت العالم إلى قرية، فصارت هزّةً اقتصاديّةً في أوروبا أو شرق آسيا تأثر على العالم بأسره. وفي سوريا، أقف عن نفسي -وقد خُيِّل إليّ العكس- وقفة احترامٍ وتحيّةٍ للدبلوماسيّة السّوريّة النّاشئة، التي أذهلت القريب قبل الغريب، وجعلت من السّوري الذي أثقل بمرارة الأسر الأسدي زهاء ٦ عقودٍ ونحوها، ليس من جانب البطش والطّغيان فحسب، بل ...

مكارم الأخلاق؛ صبرُ ساعة، واختبارُ ساعة

صورة
النَّاس معادنٌ، تختبر أصالة بعضها من رداءتها حين تُمِرُّها علىٰ صفيحٍ ساخنٍ، يُستبان لك عندئذٍ خامة هذا المعدن، فتأخذه أو تدعه. وهذا الصَّفيح في لسان حالنا نعني به مُهمَّات الأمور، ومُلمَّات المسائل، يوم تختبر النَّاس في الصِّعاب، فيسقط البعض وينجح آخرون. وإنَّك لتلحظ الشَّعث الأغبر في حاله، فتُسيء به الظَّنَّ، وتراه تافه المنطق، سفيه المُحيَّا، لا تملك من نفسكَ إلَّا أن تسخر من بساطته المجحفة؛ فتجدك منبهراً يومَ ساعةٍ عَسِرةٍ استنجدتهُ فأنجدك، واستعنتهُ فأعانك، واستطلبتهُ فلبَّاك. بصورةٍ موازيةٍ معاكسةٍ متضادَّة، ترىٰ الفارع الطويل المهيب، ذاك الذي لو ظننتُ أنَّه لو أراد بلوغ الجبال طولاً لفعل، ولو أراد أن يخرق الأرض لخرق، له من المهابة من تحسبه يُستعصم به الجيش العرمرم، ومن العزَّة ما تأوي تحت رايته ملوكٌ وأكاسرة، ومن المنعة ما تستجيرُ به دولٌ وممالك؛ ثم حين تطلبه لا يُلبِّيك، ولا يُنجدك، ولا يُسعفك، قد خسر في ميدان الحاجة، وسقط في ساعة الاختبار. كذا من الأمر إن تُسريه علىٰ الكرم والجود والعطاء، تُبصر سليل الغنىٰ، وهرم الثَّراء قد استجاد بماله حدَّا تحسبه لو اكتفىٰ بعُشر ما أنفق لدام...

حفظتُ شيئاً وغابت عنِّي أشياءُ.. أشياءُ جمَّة

صورة
هل كنت أحسبُني منذ آخر مساءٍ في شهر كانون الأول من عام ٢٠١٩م سأجِدُّ في علياء العلم بعد أن جعلتُ لنفسي منهجاً أقوِّمُ به نفسي في القراءة والاطِّلاع والنَّهم من الكتب والعلم، فأفرغ من وعثاء الدُّنيا ومُتعِها، وأركنُ إلىٰ مجدِها وسناها، حتىٰ يأتي يومٌ أُسْأَلُ فيه أسئلةٍ في شتّىٰ المجالات، من أناسٍ حولي أطنبوا في مدحي، جاوزوا فيه الحدَّ إلىٰ ما بعده، فأطروني، وأعلوني عن مقامي الأسفل، إلىٰ شأوٍ لستُ له أهلٌ. وحتىٰ لو كنتُ كما زعموا -وما أنا حريٌّ بما زعموا ولا صاحب، وأنا من أنا من النَّقص في العلم مقاساً- فلا أراني فيه كلَّما اكتلتُ منه زيادةً إلّا وجدتني حيراناً لنقصانه. فكأن كيسي الذي أتعلَّم منه مخروقٌ غير مُرقَّعٍ، فما أملؤه إلّا نفد، وما أُتمِّمه إلىٰ نصفه حتىٰ يخور إلىٰ عُشرهِ. هبني قنِعتُ بذلك، ورضيتُ بقسمتي التي أقسمنيها ربّي فكيف تُراني أشدُّ علىٰ يد من حولي أُحاجِجهُم بما هو حقٌّ لا يشوبه لبسٌ ولا مُريَة: لستُ كما تتخيلون! لستُ كما تزعمون! لستُ كما تظنُّون! أنا أضعف من بيت العنكبوت، وأضألُ من نملةٍ في قعر جُبٍّ في ليلةٍ مُحاقيَّةٍ سوداء فحماء، لا نور فيها يُرشد، ولا ضياء فيها يُ...

سلاحُ من لا سلاحَ له

صورة
  كان في يومٍ قد فرغتُ فيه من درسي الجامعي، وتوجّهتُ إلىٰ محطّة الحافلات، وإذ بي أرىٰ ازدحاماً علىٰ قلّة الحافلات؛ لا تمرّ الحافلة إلا كل ربع ساعة أنذاك، وكلّما جاءت واحدة؛ كانت ممتلئة، ولا يركب فيه حين تقف إلا اثنين منّا، ولا ألحق أنا بأنا أركب لكثرة الازدحام كما أسلفت. فكنتُ أتأفأف، وأنطلق إلىٰ الموقف الذي يسبق موقفنا هذا، وكلما رحتُ إليه أراه مزدحماً، فأسير إلىٰ الذي بعده، ثم إلىٰ الذي بعد، ثم إلىٰ الذي بعده.. حتىٰ تراني قد قطعت سيراً علىٰ الأقدام ٢٠ دقيقة. حينها فقط عيّ صبري، ونفد احتمالي لذلك علىٰ شدّة في الطقس، وظهيرةٍ ألوت الأكباد لحرورها. ففتحت الهاتف، ودخلتُ حسابي علىٰ منصّة الانستغرام، وكتبتُ نصًاً فيه طعنٌ وتجريح، وسبٌّ شتمٌ في البلدية وأعوانها. ثم أغلقته، وانتظرتُ الحافلة، التي أتت ورأيتها مزدحمة، ولم أستطع كرّة أخرىٰ الركوب، وأتت بعدها واحدة كذلك؛ ولم أستطع اللحاق بها. هنالك، رأيتُ هاتفي يرن، فتحته فرأيتُ أبي الذي يتّصل.. وأنذاك سمعته يوبّخني ويؤنّبني، ويلومني ويعذلني علىٰ ما صنعت. وأعطاني محاضرة يومها في أن: ❞ليس المؤمن بالطعان، ولا اللّعان، ولا الفاحش، ولا البذيء❝. م...

دوري أبطال الكذب

صورة
  قد استحلّ الناس الكذب، وأصابوا منه مغنماً، وصارت لهم عادة بها، لا تفتأُ عنهم، ولا يفترون عنها. وما أدري كيف هَمّ أقوامٌ باقتراف تلك المثلبة التي ليس لها من خصال المسلم الحق نصيب؛ وهم علىٰ ذلك تُبصرُهم قد احترفوه، ودخلوه به معترك دوري الأبطال، حتىٰ صاروا فيه إلىٰ ربع النهائي فنصف النهائي، وما أراهم إلا أنّهم يكونون للرافضة خصوماً في نهائي البطولة، ومن يدري فلربما كان الفوز من نصيبهم. وما أدري رجلاً اقترف الكذب واستحلّه، إلا وهانت عليه ما سواها من الذنوب والمعاصي، فإن الكذب لا يُعمل عند المرء إلا أن يواري علىٰ شيءٍ لا يُحبّذ للناس معرفته، ولا يرىٰ أنه خيرٌ فيكون منعه عن الناس ما بأس فيه= إنما ما استحلّه إلا وقد وجد أن ما صنعه في شرٌّ محضٌ، أو شبهةٌ يدفعها. فمن تمرّس بالكذب؛ لا يصرفه شيءٌ عن الزنىٰ، ولا السرقة، ولا القتل، ولا أيّاً مما يُغضب ربي ﷻ. أتراه وقد سرق، فهل يضرّه بعدئذٍ أن يكذب، أرأيتَ لو قتل، أيسوؤه لاحقاً الكذب، أترىٰ لو زنىٰ، فهل عليه من بعد ذلك أن يكذب من بأس؟ لا، فقد ظهر للناس ما هو أشد، وبان عنده أن الكذب صار أهون الذنوب، فلا حرج عنده أن يستعمل تلكم المثلبة لتحقيق مآ...

ازدراء العقول

صورة
  ‏‎”إن الإنسان عدوّ ما يجهل“ وإن من الجهلِ تحقير الأفكار، وتسفيه أصحابها لمجرد غياب بصيرة المرء عنها، واختفاء النظرة العقلانية منها، فيهُمّ الرجل باستخفاف فكرة قبيله تلك، ووصمها بأقذع العبارات، وأقذر الأوصاف؛ وما ذاك إلا أنّه نظر إلىٰ الرأي من صورته هو، صارفاً النظر عن تباين الناس في العقول والمذاهب والأهواء، وأن الله ﷻ جَبَلَ الناس علىٰ الاختلاف، وطبعهم علىٰ التضاد، وما تضادوا في شيء واختلفوا فيه إلا كان رحمةً من الله، فإن من سُنن الله وحكمته في خلقه تدافع الآراء. ولو اتّفق الناس في الرأي؛ لهلكوا. إذ وإن صدف أنهم تعاضدوا في رأيهم علىٰ حقٍّ -كائن ما كائن هذا الحق- فلربما كانوا ذات مرة علىٰ خطأٍ، فيبور اتحادهم من حيث أحسنوا به، ويذهب سعيهم في الإصلاح= فكان ‏‎”الاختلاف رحمةً“ كما ورد في الأثر. وأعظم العلم أن يُقسط المرء مع من دونه في القول واللسان، فلا يستهزئ بغيره لمجرد تسفسف قوله عن الحق. وأن يكُنّ له من التواضع الجمّ كما صنع أحد التابعين الذي قال: والله إني لأعلم المسألة الذي حدّثني فيها جليسي قبل ذاك بزمن، ولكن لا أحب إخباره بها بقطع كلامه. هذا من التوقير، وتجيل الناس بتبجيل عقو...

عين الجاهليّة

صورة
ما أعيبُ علىٰ الجاهل جهلَه، ولا علىٰ الأحمق حمقه، ولا الخصيم فجوره، ولا السفيه سفهه؛ أنما أعيبُ علىٰ العاقل أن يحذو حذو خصيمه، وأن يسير في رَكبه من السّفه والحُمق والفجور، فما علىٰ الجاهل مُلامٌ، إذ قد رُفِع عنه القلم لصغر عقله ودناءه نفسه، أما العاقل فقد شُرّف بعقله، فكيف يُرىٰ له النزول إلىٰ مقام خصيمه؟ وإني لأعيبُ علىٰ الرجل أن هَمّ بردّ الصاع للجاهل صاعين، فإن شتمه، قابله بشتائمٍ، وإن هجاه كال له ضعف هجائه، وإن نشر عيبه بين الناس، فعل صنيعه. فكأن الرجل قد محا شخصيّته، واستبدلها بفِعال غيره، فاعتنق مذهبهم في معايشة الناس، وتطبّع بطبائعهم، وجُجِل علىٰ شاكلتهم. فتملّص من لونه، وتخلّص من روحه التي ميّزها الله ﷻ بها، فكأنّه وصاحبه ذاك متشابهان، أو كأنهما واحد؛ فما عاد له وزنه من حيث الإرادة الحرّة، وهي من الأمانة التي شرّف الله البشر وكلّفهم بها دوناً عن غيرهم. وقد رأيت حرّة الردّ تُشقي الرجل إن رأىٰ من يشتمه فيسكت عنه، ذاك أن النفس ميّالةٌ بطبعها إلىٰ الذبّ عن ذاتها، والحميّة لعزّها وشرفها، فترىٰ الإنتقام من ذات الشربة، وذات الكأس؛ سبيلاً لها أن تعيش نشوة النصر. فإن كبح المرء جماحها، و...

غضبٌ ففجور

صورة
  إنّي والله لأعرفُ الصاحب من العدو، والأخ من اللدود؛ حين الغضب. ففيه ألتمسُ صدق نواياه، وصفاء سريرته، ونقاء روحه. فإنّ الغضب يضع المرء علىٰ حقيقته الكامنة، ويُظهر علىٰ لسانه ما استتر، وبأفعاله ما خُفي. فما رجلٌ يكمُنُ الحقد، وهو يُظهر الصدق، فقال مقالته وهو غضبان= إلا ظهر الحنق الذي بداخله علىٰ فلتات لسانه. فكأنّ المرء ساعة الغضب تلك: قد غُيّب عقله، فما عاد يعقل قوله، ولا يُدرك فعله. قد صارت حركاته وسكناته تنمّ عن دواخله اللإراديّة. وي كأنّ ربّه أنطقه. وقد يقول قائل: إن غياب عقل المرء عند الغضب؛ أدعىٰ بك أن تصفح عن فعله، وتتغافل عن قوله، فما قالها إلا لذهاب عقله فهو كالسّكران، الذي لا سُلطة له علىٰ جسده في خمرة وغره تلك. وأقول إن هذا يرحمك الله فيه من الصواب كما فيه من مجانبته. فالصواب: أنْ نعم.. خمرة الغضب لا تزول إلا وقد زال العقل لحظاتٍ وسويعات، فالواجب علينا؛ أن نعذره فلا نُحمّل الأمر فوق طاقته من ردّة الفعل في لحظته تلك. وأما مجانبته: أنّه إنما لم يُحمّلنا ربنا ﷻ فوق طاقتنا من حِملٍ لسنا له أهلاً، وما جعل علىٰ ظهورنا ما يَثقل علينا وما نحن به كفؤاً، فلا نقدر معه من حِراك. فحي...

تقلّب العباد

صورة
طابت نفسي من ذاك الذي عدمه الله الحياء، وحرمه من مروءة العرب، وأخلاق الإسلام. فإنك لتحسبه من أهل الصلاح، وأهلاً للقربىٰ، وموضعاً للصحبة، فتوطّئ له موضعاً عندك، تقرّبه وتدنيه، وتجعل بينك وبينه باباً للأخوة. وأنت علىٰ هذا محسنٌ بالناس الظن، مترفعٌ عن معاتبتهم في عظائم الأمور ولِممها علىٰ حدٍّ سواء، فأنت لا تجعل أول عهدك بالناس سوء الظن؛ ذاك أنّك بهذا لا تجلب إلا الأسىٰ نفسك، والنكد علىٰ روحك، وإذ تراك بذاك الظن قد أجهدك نفسك إذ صرفت فكرك وذهنك نحو ما لا طائل به من نفعٍ يُمنّىٰ، أو غايةٍ تُرجىٰ. أترىٰ حسن الظن ذاك، الذي تهبه للقريب والبعيد، إذا تجعل الناس فيه علىٰ صعيدٍ واحدٍ، وما الغاية منه كل الغاية إلا اتباع هدي سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، إذ يقول جعفر الصادق رحمه الله: ”إذا بلغك عن أخيك الشيء تُنكره، فالتمس له عذراً واحداً إلىٰ سبعين عذراً، فإن أصبته، وإلا، قل: لعل له عذراً لا أعرفه!“ لكنّك لا ترىٰ الشيطان فقط الذي يعين عليك نفسك، بل إن الناس قد حملوك مع قرينك أن تسيء بهم الظنون، وتسرف في الشكّ بهم، حتىٰ قد بتّ ترتاب منهم، وتحسب لقول بعضهم ألف حساب، وتأوّل لهم كل مقالة، وتضع لأفعال...