نظرةٌ علىٰ كتاب «النظرات» لبليغنا المنفلوطي
لا أدري سرّ ذاك الولع الشديد بالنظرات، ولا ذاكم الوله، وأحسب أن فيه من السحر ما يجبُلُ الناس علىٰ أن تميل إليه. ميل الإكراه والتعدي مع محبة ذلك الإكراه. ميلٌ ترىٰ النفس فيه أن تقذف إلىٰ الهاوية ما يصدها عنه شيئاً، ولا يثنيها عن قربه قيد أُنملة. وهو سحرٌ لا يحتمل حقيقة سحر البيان والبلاغة فحسب، ولا سحر الوصف الذي يغنينا عن الصورة بعينها وذاتها؛ بل سحرٌ ظغىٰ وتجبّر، ومَلَكَ علىٰ الروح حِسّها، وعلىٰ النفس رَجْسها ووجْسها أن تفارقه، وأن يُنزع منها نزع الظفر عن اللحم، والوتين عن الجسد. لا أدري كيف أصِفُ شيئاً عجزتُ -وإن قضيت الدهر- أن آتي بمثل نصٍّ منه ناهيك عنه جملةً، ولا يقولنّ أحدكم: لا تبالغ. وإني والله أعلم بنفسي من نفسي، "وأهل مكّة أدرىٰ بشعابها"، "ورحم الله امرئٍ عرف قدرَ نفسه". وما أراني أشبّهه إلا بقصة الحبيب لحبِّه، فهو يلاقي منه الصُّدود فيزداد هُياماً، ويُنفّره فيزاد قُرباً، وكلما اشتد به لان له، وإذ يصطرخ عليه هجع هجوع الطفل بعد نحيبه ونشيجه علىٰ صدر أمه. وذاكمُ وهذا سيان المعنىٰ عندي، كلما تاقت نفسي إليه أحسست بصدّه عني، وهو بالقرب مني بقرب حبل الوريد. ولقد...