المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف خواطر حول الكتابة

شكوىٰ عن الفكر؛ فراغهُ، وتراكمهُ، ومللهُ ويأسهُ

صورة
  نعم، أجدُ في كثيرٍ من أحايني مشاعراً لا أجد لها معنىًٰ علىٰ وجه الحقيقة، أو دعني أقل لا أجد لهٰذه المشاعر حدوداً واضحةً، أو شكلاً جليَّاً، إنَّما هي مشاعرٌ باطنةٌ في نفسي، مستفردةٌ في ذاتي، أجدني أنكرها حيناً، وأنفثها حيناً، غير أنَّ هٰذا لا يكفي، يُسعفني في تنحيتها عن حالي الآني، أن أصرف وقتي إلىٰ صحبةٍ تُنسيني بعضها، أو تقلَّل منها قدر المُستطاع. لرُبَّما كان ذٰلك، دعني أقل لك أنَّ الفراغ هو العلَّة بذاتها، ولا أعني هاهنا فراغ الوقت، بل فراغ الفكر، ومع فراغ الفكر رُبَّما أضيف إليها تراكم الأفكار، وكذلك.. الملل من الفكر، وحتَّىٰ اليأس من الفكر. نعم هي كما قلت، أربعٌ في واحد، أزودُ من النسكافيه، وأحرُّ ما علىٰ الذِّهن فيها هي تناقض الأمور الأربع هٰذه مع بعضها: فراغ الفكر، تراكم الأفكار، والملل من الفكر، واليأس من الفكر. فأمَّا فراغ الفكر ذاك أنِّي وقد أجدُ حين أفكِّرُ بما أحرزتهُ من القراءة والمطالعة، أجدها لكأنَّها ذهبت هباءً، لا أجد لا جذوراً، أقول هل كانت مئات الكتب الَّتي قرأتها، وآلاف المقالات الَّتي أمعنتها، وعشرات الصُّحُف الَّتي طالعتها ذهب كثيرٌ منها من ذاكرتي، فلا أرىٰ ...

لعلَّك تميلُ إلىٰ الكتابة بعد أن تقرأ هذا ٢

صورة
  يرىٰ جورج أورويل أنَّ للكتابة أربعة دوافعٍ، وهي: «حبُّ الذَّات المحض، والحماسة الجماليَّة، والدَّافع التاريخي، والغرض السِّياسي»، ليأتي من بعده الكاتب الرُّوسي فلاديمير سوروكين ويضيف دافعاً مهماً آخر في عمليَّة الكتابة وهو دافع: «التَّساؤل». وقد نجد معنىٰ حبُّ الذَّات المحض متجلٍّ في قول عَلمُ الدين ابن الهاشميّة: «إنْ جعلَ المرءُ قلمَهُ رَهن ذوقِ النَّاسِ بارَتْ سلعتُه، وإن صيَّر فكرَهُ لمرضاتهِم سقطَ رأيُه». أي أنَّ مناط أمر قلمه لا يكون إلَّا إن رفع من قيمة نفسه، وأوضعها في علية المراتب، فلا يجعلن قلمه تحت سلطة غيره، يكتب بأهوائهم بغرض المكسب والبيع والتِّجارة، فحتَّىٰ لو لم يكن يتقاضىٰ أجراً في كتاباته؛ فإنَّ شأو الشُّهرة كافٍ له مُغنىٍٰ في ميدان البيع. أذكرُ من جميل جسارة الكاتب ما صنع أدهم شرقاوي حين مدح حركة طالبان الأفغانيَّة، فوجد سيلاً هادماً من قرَّائه أخذتهم الدَّعاية الأمريكيَّة في وصم حركة طالبان بالإرهاب، فانهالوا عليه لوماً وتقذيعاً، وشتماً وازدراءاً، حتَّىٰ وجدتُ من أخذَ يبيع بعض كتبه لما أسماه خيبة ظنٍّ وجدها منه، فما صرف هٰذا الكاتب عن استبدال فكره لمرضاة قرَّا...

لعلَّك تميلُ إلىٰ الكتابة بعد أن تقرأ هذا ١

صورة
  كنتُ أُسائِل نفسي منذ أعوامٍ أربعةٍ خلَت عن ضرورة الكتابة بعينها وأنا في عمري هٰذا، وأقول في نفسي: لا أراني أهلاً للكتابة وأنا بعدُ غِرٌّ في ميدان القلم، وما زال مِرقمي لم يختمِر حبرهُ، ولم يغمَقَّ لونهُ، والصُّفيحات ما وُضِعت لِتُرفَعَ، وما ابيضَّت لتسودَّ! سُبَّةٌ بحقٍّ الأشجار أن تُقطعَ لتصير ورقاً أمامي، فلو أنِّي صنعتُ منها الأورغيامي لكان أجدرَ فائدةً، وأجدىٰ نفعاً من أسيل حبر مرقمي عليها. نعم، هٰذه هواجسٌ أغشَت عيني، ووساوسٌ ملأت عليَّ فكري، وكنتُ أعتركها ردحاً من الزَّمن، وهٰذا منبته التَّواضع الَّذي أحببتُ أن أمتثله تارةً، وأخرىٰ خشية النَّقد اللَّاذع الَّذي سألفيه لا ريب، أو يلفيني هو. فواحدٌ لعلَّه يقول: لو تروَّيتَ سنيناً قبل أن تكتبَ مثل هٰذا لأجدتَ. وقائل خشيتُ أن يقول كما قال الجواهري يوماً لشابٍ حضر مجلسه، وأنشده شعراً ركيكاً دون حتَّىٰ استإذانه، وحينما فرغ من نشازه، سأل نهر العراق الثَّالث عن جمال منطوقه من عدمه، فقال له: اسمع يا بُني، الشُّعراء ثلاثة؛ هناك شاعرٌ عظيم، وهناك شاعرٌ، وهناك حمار. أما أنا فشاعرٌ، والصِّفتين المتبقِّيتين تقاسمهما أنت والمُتنبِّي! خشيت...

دواخل الكُتّاب، وحوائجِ الكتابة

صورة
  نأىٰ بي الزمن أن وجدتني لا أقدر علىٰ الكتابة متىٰ ما هممتُ، لا تواتيني القدرة عليها، وقد تلمّ بي ما تسمىٰ بـ"حبسة الكاتب". فأجدني أمتنع عن الكتابة، وكلما هممتُ بذلك عكفتُ عنها، وكلما أقدمت امتنعت، وأنا علىٰ هذا في ردحٍ طويلٍ من الزمن. أُمسك القلم، وأَفرُد الورقة، وأُشعل المصباح إن كنت في ليلتي، ولي من النشاط وفرةٌ، ومن الجهد غمرةٌ، وما بي من نعاسٍ ولا كسلٍ ولا فتور= ولكن هي النفس الأمّارة بالسوء، التي تحجر علىٰ صحابها الجدّ والاجتهاد، وتميل به إلىٰ الدّعَة والخمول. وقد بدّت راحة الجسد، علىٰ راحة الروح؛ فراحة الجسد في السكون، وراحة الروح في النشاط. وقد جعلتني أُقّلب الآراء في عقلي، وألتمس أفكاراً تدفع عني ذاك التوانِ، وتحجب عني دوافع التراخي. حتىٰ هداني ربّي إلىٰ سُبُل المرام، وأرشدني إلىٰ غاية الإرب، ومنتهىٰ الطلب. فعلمتُ أن بادئ ذلك الأمر هو العزم، وأوسطه الحزم، وآخره ينتهي المرء إلىٰ ما أراد المرء. فأما العزم= أن يرسم المرء لنفسه غاية ما يطلب، فما همّه بالكتابة إن شرع فيها؟ أتقويةٌ لفهمه، وإنماءٌ لنهوه؟ أم مجداً يجمع فيه الشرف والعزّة بين الأنام، أن يقال: هذا الخطيب البلي...