المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف خواطر في الشعر

اليوم الرابع: الشخص الذي غير مجرى حياتك

صورة
 أسرد لك الكثير منهم إن شئت أن أسرد، ممّن لقيت منهم في الشوارع والحارات، ومن حاورتهم بحديثٍ أخذ منّي شيئاً، واجتزأ من بعضي حالاً أزعم أنه بقي فيّ طويلاً. لكنّني أعلم علم اليقين ممّا وعيته في سنين عمري التي خلت، وممّا أمضيته بين ورقات الكتب، وفهمته من أقوال من سبقت فيهم التجارب، واختمرت في عقولهم الأفهام الجلية الوضّاحة: أن التأثير لا يُقاس بما يُحاط حول المادّيّات من شواغل الدنيا وصوارف النّفس، إنّما بما أُحدث في الروح من عوالق الإيمان، ومِن اشتعالها بحماسة الدين، ومحادثة النفس بالجهاد ونصرة الأمّة. وأنّ الدنيا إن طرقت بابك بكلّ متعها، وبزينتها التي أغوت الكثير والكثير من بني البشر، وحالت بيننا وبين التي عرضها السماوات والأرض، وأغوت من سعة باله من عرفنا، ومن زهدت نفسه بالأمور، ومن ظنّ بعلمه، وسعة فقهه قد نجى، ومن استأسد على الأمم بكلماته وحروفه، وزمجر بأعلى صوته، يخفق بارق وجهه حتى يُرى فيُشار له بالبنان، ثم حين يؤذّن داعي الجهاد وحيّ عليه يا عباد الله؛ نكص على عقبيه.. فكيف يؤثّر بالمرء شخصٌ ويغيّر مجرى حياته؟ حتى لكأنّه بدّاه على نفسه يقدّمه، ويعليه مكانةً حتى أنكر عليه أعزّ الناس...

صخرةٌ فُلِقت: في أدبيات الاعتيادِ والتّناسي والأُلفةِ والتجلّد

صورة
عدَت عليّ من لحظاتِ عمري أمداً، أنا فيه قد جُبِلتُ علىٰ اشتراكِ المصائبِ. ودنت مني حبائل الدهر بعنفوانها المثبّط للنفوس، المُيْئس للروح، المهلك للقلب؛ أن صيّرتني مرهف الحسّ، مرهق البدن علىٰ سواء. وقد جُبِلتُ علىٰ احتمال شظف العيش، ومرارة المعاشرة؛ فأصبحتُ أسيرٌ جامد الوجه، هامد النفس، علىٰ وجنتيّ أمارات البرودة البليدة= فكأنّ هذا فيه من وسائل النسيان، علىٰ أن البعض قد حسبه أثرٌ من تقلّبات الحياة. وما فيّ إلا أنّي وجدتُ نفسي لا تُغني إن صدّت تلك الريح العاتية، فخيرٌ لي أن أكون كشجرةٍ، ميّالةٍ مع العاصفة؛ تمور مع الريح، وتقرّ بقرارها. فكان لي من نصيب هذا؛كأنّ ثبُتّ في مكاني ولو بعد حين. وهذا لعمركِ نتاج خبراتٍ متراكمةٍ تكاثرت إثر اعتراك الحياة، واختبار روّعاتها. ولربما قد جمعتُ في هذا بؤساً مع تجلّدٍ ظاهر، أي كما قال الجواهري: لم يبقَ عنديَ ما يبتزّهُ الألمُ حسبي من الموحشاتِ الهمُّ والهرمُ لم يبقَ عندي كفاءَ الحادثاتِ أسىًٰ ولا كفاءَ جراحاتٍ تضجُّ دمُ وحينَ تطغَىٰ علىٰ الحرَّان جمرتُهُ فالصمتُ أفضلُ ما يُطوَىٰ عليهِ فمُ وقد تكالبت عليكِ حوادث الأيام، حتىٰ غدت فيكِ حضورها من عدم...

ليالي اثنينية: في صحبة العباس بن الأحنف ١

صورة
ما حسبتني قد تعصف بي الأيام حتىٰ أكتب في الشعر، أو دعني أقل أن أكتب ما جالت به نفسي حين قرأت الشعر، وأنا أزعُم أن الشعر لا يُقرأ؛ بل الواجب أن يُرىٰ، ولا أن يقاس الشعر بموازين قراءة المرء للنثر، فإنه مكانه ليس العقل، بل لعلّ منبعه الروح، ودعامة هذا؛ أن الشاعر ما يطغىٰ بعنفوان شعره، ولا تجود قريحته، ولا تجلو خواطره، ولا ينظم الأبيات الحِسان إلا بعد أن تفيض فيه المشاعرُ حدّاً تتساقط الكلمات دون تروٍ، حدّاً تثور معه قريحته الشعرية، والتي هي حتماً ما نبعت من العقل. وإني مع العباس في عالمٍ خاصٍ سعِدتُ به، وما رجوت أن أرىٰ شعره إلا أن أحيا بالعربية كما حيا من قبلي. وحسبك به -أي العباس- قد أجاد وأوفىٰ في مجاله حتىٰ برع فيه، وصار واحد زمانه، بل والأزمنة التي تلته إلىٰ يومنا هذا في باب الغزل والعشق، وقد قلتها وأقولها أخرىٰ: ‏‎”حُقّ علىٰ العذريين أن يفخروا بسيادة ابن الأحنف عليهم“! وإن يسأل فلاناّ عن سر ذاك التشبيح، وطول ذاك التسحيج= فدونه ديوانه، ليفتحه، وليبصر أبيات شاعرنا، وليختر منه أنىٰ شاء، وليتلوه علىٰ غيره ممن لا خبر له باللغة، وليس باعٌ في العربية، ومن كان خطبه في امتحان الإعراب والنحو ...

الدهر والشعراء

صورة
  لقد كان دهراً شماعةً للشاعراء؛ يلقون عليها مصائبهم وأحزانهم، وأوجاعهم وأسقامهم. فتراه يفتري على الدهر، ويتعلل به لهجران الحبيب، ولمفارقة الأهل، ولغربته عن الوطن. ويتهمه بما حلَّ فيه من نغص عيشٍ، وتعبٍ وكدٍ وحنق. فماذا قالت معاشر الشعراء؟     بداية مع فارس عبسٍ وشاعرها، ومقدامها، والمنافر عنها.. عنترة بن شداد. لا يخفىٰ علىٰ أحدنا ذل عيش، ونقم قبيلته وأقاربه عليه لسواده وعبوديته وهو ابن سيدهم.ولربما معه نتفهم عتبه على الدهر، وننصفه، فهو لم يختر لونه، ولكن بلوته كانت تلك: أُعاتبُ دهراً لا يلينُ لعاتبِ   وأطلبُ أمناً من صروف النوائب وتوعدُني الأَيامُ وعداً تغرني   وأعلمُ حقاً أنه وعدُ كاذبِ خدمتُ أنا ساً واتخذتُ أقارباً         لعوني ولكن أصبحوا كالعقاربِ يُنادونني في السلم يا ابن زبيبةٍ   وعند صدام الخيل يا ابن الأطايبِ لربما كان بقوم عنترة قد وعوا كبر ما فعلوا، ولكان حريٌّ بهم أن يمتنعوا بعد إذ عن إيذاءهِ، ولكنهم أبوا كعادتهم، فرغم استحقارهم له وقتَ السِلم، واستنجادهم به وقد الشدة؛ إلا أننا نراهم يستنكف...