المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف خواطر إسلاميّة

اليوم الخامس عشر: إنّ الله مع الصابرين

صورة
  لعلّ الناس يفهمون الابتلاء بلغطٍ واضحٍ، وحقيقة ذلك منبعه من عدم درايتهم بالمسألة من وجهها المشروع، فيظّنون أن المرء يؤجر علىٰ الابتلاء، ويتناسون أن الأجر لا يكمل إلَّا بصبرهم علىٰ ذلك. ولو وعوا هذا الطرح لاستقامت لهم نفوسهم وفق المعنىٰ الذي نعرفه عن الصبر. ولا أدري كيف تصبر بعض النفوس علىٰ عدم صبرها، أعني ما رأيتُ الجزع يغني عن المرء شيئاً، ولو كان الدموع تعيد ما تأسّىٰ عليه الإنسان، لما عاش في الأرض سعيد. فيحضرني مشهدٌ لأعظم الخلق، يوم وقف سعيداً وقد رُزِق بولدٍ بعد أن شارف علىٰ نهاية المسير، نظر وهو في الستين من عمره إلىٰ ولده ابراهيم، وفي عينه نظرة الأب لابنٍ له يراه بعد سنين من آخر واحدٍ قد توفي صغيراً، فلكأنّي أراه مستبشراّ ومهلّلاً، يبشّر أصحابه بولده، ويذبح له عقيقته. والنَّاس في فرحاً وسرور لنبيهم إذا رُزِق ولده الوحيد في آخر عمره. ثم ما إن مضت أشهرٌ معدودة، حتَّىٰ جاء الخبر الَّذي ساد الحزن فيه المدينة، وخشعت أصوات السرور لحضرة الموت، فيلتقط عظيمنا ابنه، ويراه يحتضر، وليس له من حيلته شيء، وعيونه تذرف الدموع التي كانت قد مُلِئت فرحاً من قبل، ثم يقبله ويقول صابراً متصبّراً...

اليوم الحادي عشر: الإيمان

صورة
  «بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسولُ الله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعتَ إليه سبيلاً، قال: صدقتَ، فعجبنا له: يسأله ويُصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمةُ ربَّتها، وأن ترى الحُفاة العُراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، ثم انطلق، فلبثتُ مليّاً، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يُعلمكم دينَكم.» رواه مسلم. نعم كنتُ كلما قرأتُ هذا الحديث عن سيدنا عمر -رضي الله عن...

اليوم الخامس: السكينة بين زوايا بيت الله

صورة
  علىٰ أنّ قيظ الصّيف حينها قد اشتدّ بشكله الاعتيادي في شهر تمّوز، والحرارة الَّتي لا يصمد معها المرء حيناً كثيراً في جلّ حاله، لاسيّما منتصف الظّهيرة، أو حتَّىٰ عند العصر، بل وعند المغرب والعشاء، أو لعلّ الطّقس لا يصفو للمرء في ذاك الشّهر إلَّا عند الفجر، تشعر أنّ نسمات الهواء حينها معوّضةً لك عن حرور اليوم واللّيل كلّه، وفي الحقيقة أن نسيم الصّيف أرقّ عندي من هواء الشّتاء، فأنت بالشّتاء طقسك كلّه هواءٌ ورياحٌ وبردٌ معتاد، ليس من شيءٍ جديد عليك حينها أن تلحظ ميزةً في هبة نسمة الهواء التي تحمل في طياتها البرودة الموجودة أساساً، أما في الصيف، فقد يترآىٰ لي ما ترآى للأعرابي الذي يعتمّ عمامته، مُرتدٍ عباءته، وقد اشتدّ عليه الحرّ، ثم أناخ راحلته، وعمّد عصاه، وأرخىٰ عليها العمامة، واستوسد العباءة، ومكث تحت ظلّها، فتسعفه النّسمات الرّائقة، والهواء العليل الذي يهبّ بين الفينة والأخرى، وسط هذه البيداء القاحلة. قد استطردت كعادتي، ولا أعلم متىٰ أراني أخلصَ من هٰذه العادة الكتابية، فقلمي إذا أرحته بالكتابة؛ يأبىٰ إلَّا أن يملي كلّ ما في النفس من ظلال المعاني الَّتي في تكنّها، على أن هذا هو ما...

اليوم الرابع: الشخص الذي غير مجرى حياتك

صورة
 أسرد لك الكثير منهم إن شئت أن أسرد، ممّن لقيت منهم في الشوارع والحارات، ومن حاورتهم بحديثٍ أخذ منّي شيئاً، واجتزأ من بعضي حالاً أزعم أنه بقي فيّ طويلاً. لكنّني أعلم علم اليقين ممّا وعيته في سنين عمري التي خلت، وممّا أمضيته بين ورقات الكتب، وفهمته من أقوال من سبقت فيهم التجارب، واختمرت في عقولهم الأفهام الجلية الوضّاحة: أن التأثير لا يُقاس بما يُحاط حول المادّيّات من شواغل الدنيا وصوارف النّفس، إنّما بما أُحدث في الروح من عوالق الإيمان، ومِن اشتعالها بحماسة الدين، ومحادثة النفس بالجهاد ونصرة الأمّة. وأنّ الدنيا إن طرقت بابك بكلّ متعها، وبزينتها التي أغوت الكثير والكثير من بني البشر، وحالت بيننا وبين التي عرضها السماوات والأرض، وأغوت من سعة باله من عرفنا، ومن زهدت نفسه بالأمور، ومن ظنّ بعلمه، وسعة فقهه قد نجى، ومن استأسد على الأمم بكلماته وحروفه، وزمجر بأعلى صوته، يخفق بارق وجهه حتى يُرى فيُشار له بالبنان، ثم حين يؤذّن داعي الجهاد وحيّ عليه يا عباد الله؛ نكص على عقبيه.. فكيف يؤثّر بالمرء شخصٌ ويغيّر مجرى حياته؟ حتى لكأنّه بدّاه على نفسه يقدّمه، ويعليه مكانةً حتى أنكر عليه أعزّ الناس...

طوفان الأقصىٰ: هل التاريخ مرآةٌ للحاضر؟

صورة
  حينما أُعلِنت انطلاق معركة طوفان الأقصىٰ المباركة، كنتُ مستقيظاً لتوي كعادتي لصلاة الفجر. وقد فتحت الهاتف علىٰ منصّة إكس لأرىٰ أمامي انطلاق المعركة برشقاتٍ صاروخيّة من قطاع غزّة تجاه مغتصبات الغلاف. قلتُ حينها أنَّها مجرد عمليّةٍ كباقي العمليّات الَّتي تحدث، ولن يطول أمرها إن طال إلَّا كما معركة سيف القدس. ثمَّ وإذ بنا نشهد معركةً طاحنةً خاطفة، أعادت للقضيّة مجدها الغابر، وذكّرتنا قليلاً بمعركة الكرامة، غير أنَّها أُتبعت بعد ردهةٍ بمجازر وتدمير كاملٍ وشاملٍ للقطاع. ومازلنا وقد توالت الأيام، حتَّىٰ طافت إلىٰ يومنا هذا حاجز ٤٦٦ يوماً، ولم يحرك أحدٌ ساكناً، واكتفت دول العالم بالقلق، وبعضها بالتّنديد، أمّا الشّرذمة السّاحقة من الغرب فأمالوا أعنقاهم مطيّةً للصّهاينة، وصاروا يتبارون في إعلان الطّاعة والخضوع، والانقياد التّام لمصالح عبدة العجول في يافا. فرأيتُني أعجبُ من حوادث متلاحقةٍ، يجرّ بعضها الآخر، ودار في مخيّلتي أنِّي رأيتُ هٰذه المشاهد مكتوبةً قبل حين.. فالأمداد تأتي من البحر، وعدوٌّ رابضٌ في السّاحل وبيت المقدس، وكيانٌ في القاهرة عميلٌ له علىٰ الجملة، ودولٌ ووممالك يخشىٰ الواح...

الثّقافة المعاصرة: داء الاستعلاء

صورة
  حقيقةً الأمر يختلف جوهرياً بين الكاتب في عصرنا وسمة الكاتب في العصور الغابرة، دعني أفرد لك مساحةً عزيزي القارئ في معنىٰ الثّقافة أولاً، ثم نعرّج رويداً رويداً إلىٰ الثّقافة المعاصرة ومقصودي بهٰذه الكلمة. إنّك إن تفتح المعجم تلقىٰ الثّقافة تعود إلىٰ أصلٍ ثلاثي (ث ق ف)، كما نلفيها في المعجم الوسيط، تُشير إلىٰ: ثَقِفَ ثقفاً: صَار حاذقاً فطناً، فَهُوَ ثقف، وثقف العلم والصّناعة: حذقهما، وثقفَ الرّجل في الحَرْب: أدركهُ، وَثقف الشَّيء: ظفر بِهِ، وَفِي التَّنزِيل العزِيز قال تعالىٰ: ﴿واقتلوهم حيثُ ثقفتموهم﴾، ومن ذلك: ثاقفه، مثاقفة، وثقافاً: خاصمه، ولاعبه إِظهَاراً للمهارة والحذق، و(ثقف) الشَّيء: أقامَ المعوج منهُ وسوّاه، وثقف الإنسَان: أدّبه، وهذّبه، وَعلّمه، و(تثاقفوا): ثاقف بعضهم بعضاً، و(تثقف) مُطاوع ثقفه، و(الثّقافة): الْعُلُوم والمعارف والفنون الَّتي يُطلب الحذق فيها. فنعرّفها علىٰ النّحو التّالي: أنَّها خليطٌ تراكمي من المعارف والعلوم، الَّتي تبحّر فيها المرء، بُغية التّأثير في مجتمعه وفي ذاته قبل ذلك. وهذا في عصرنا، أما في العصور الآفلة كان مفردة «الكاتب» شبيهةً بـ«المثقّف»، إذ ال...

أوَما تدري ما هي ثورتنا السُّوريَّة المباركة؟ ١

صورة
 كنتُ أتساءل في قديم عهدي، عن كيف ترىٰ بالنَّاس تسمع وتُنصتُ للدَّجال يقول: أنا ربُّكم. وهو أعور عينٍ، وممسوح الأخرىٰ، وقد حُفِر علىٰ جبينه (ك ف ر)، وقد علمنا في كتب الأثر عن صفاته هٰذه، نجدها ونعرفها، فلسنا جاهليها. ولا أحسبُ تلكم الكتب تنقضي في زمان الدَّجَّال، ستبقىٰ لا ريب، ورغم بقائها ذاك، ستجدُ أشذاذاً من البشر يتَّبعوه، منطاعين مطأطين، يأمرهم وينهاهم وهم له تُبَّع، يأمِّلهم بجنَّته وهي نارٌ فيدخلوها، وينذرهم بجهنَّمه وهي جنَّةٌ فيحذروها. نعم، كنتُ أفكِّرُ في هٰذه المسألة طوال عمري وسنيني الماضية، وكنتُ أروِّي فيها، فأجد أقرب التَّفاسير فيها، أن العلم ينقضي في ذٰلك الزَّمان الموحش المغبر، وأن صحائف المجلَّدات قد مُحيت، وصوان الكتبِ قد أُفنيت، فليس لواحدٍ منهم أيَّة معرفةٍ أو وعيٍ، يستنبطُ فيه حكماً يرشده إلىٰ ماهيَّة هٰذا الأعور الدَّجَّال. فينساقون لا ريب إليه مطمئني الخاطر، ولا يروعهم ادِّعاءه الألوهيَّة، قد استقرَّت في نفوسهم معجزاته، فلا يمارُّون في صحَّتها من عدمه، ولا صدقها من كذبه، إنَّما كأنَّهم انساقوا إليه بعامل سياسة القطيع، استجلب بعض أفذاذهم، فخادعهم عن عقولهم، و...

عجائبُ الأسفار: فصل حرب غزَّة وطوفان الأقصىٰ والنَّكبة الثَّانية

صورة
مقتطفات من فصل «حرب غزَّة وطوفان الأقصىٰ والنَّكبة الثَّانيَّة» من كتاب «عجائبُ الأسفار وغرائبُ الآثار في أخبارِ الممالكِ والأمصار» لمؤلُّفهِ ابن عبد المجيد سرور (ت: ٢٠٦٣): «لقد بقيتُ عدَّة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلاً وأؤخِّرُ أخرىٰ، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعيَ الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهونُ عليه ذكرُ ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني متُّ قبل حدوثها وكنت نسياً منسيَّاً، إلَّا أنَّني حثَّني جماعةٌ من الأصدقاء علىٰ تسطيرها وأنا متوقِّف، ثم رأيتُ أنَّ تَرْك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: هذا فصلٌ يتضمن ذكر الحادثة العُظمىٰ والمصيبةَ الكُبرىٰ التي عقمت الليالي والأيَّام عن مثلِها، عمَّت الخلائقَ وخَصَّت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالمَ منذ خلق الله آدمَ وإلىٰ الآن، لم يُبتَلوا بمثلها لكان صادقاً، فإن التَّواريخ لم تتضمَّن ما يُقاربها ولا يُدانيها، ومن أعظم ما يذكرون من الحوادثِ ما فعل بختنصر ببني إسرائيل من القتل، وتخريب بيت المقدس، وما بيتُ المقدس بالنسبة إلىٰ ما خرَّب هؤلاء الملاعين من البلاد؟ وكذلك ما فعل المغول في بلاد المسل...

لعلَّك قنطتَ من حال الأُمَّة، فهلَّا أنصتَّ؟

صورة
  اقترب الجيش من مشارع دمشق، وهاج النَّاس يفرُّون من أرض الشَّام، وصوبهم كان حتفهم؛ فإمَّا ضياعٌ في أرض سيناء، وإمَّا مكوثٌ فمقتلةٌ بيد المغول، والنَّاس بين الأمرَين في أمرَّين! لحىٰ الله الإسلام، هل يفنىٰ علىٰ يد هٰذا الصِّنف من البشر، أولاد عمومة يأجوج ومأجوج! أو رُبَّما كانوا هم يأجوج ومأجوج بذاتهم، فلا يُخيَّل إلىٰ النَّاظر لأفعالهم إلَّا ما ورد عن شدَّتهم وبأسهم! فمن للشَّام إذ تُؤخَذ؟ ومن للعراق إذ أُخِذت؟ وقبل ذاك فارسُ وخرسان! هٰذه دولة بني العبَّاس قد أُبيدت، وما بقي من خلفهم رجلٌ تؤول إليه عهد الخلافة، وهٰذه أرض السَّلاجقة قد صار سلاطينها العظام رُعاةً لخيول التَّتار، وأيَّام خوارزم، ولو ذكرنا خوارزم وما آل إليها بآخر سلاطينهم جلال الدِّين، إذ نُبِذ في جزيرةٍ في قزوين، أو رُبَّما قد صار إلىٰ حتفه فإمَّا دعساً تحت حوافر البغال كالمستعصم بالله العبَّاسي، أو جوعاً وحرماناً! فيا للزَّمان ونوائبه، ويا للدهر ومصائبه، يا للدُّنيا وصروفها، وياللأيَّام وحتوفها. وقد تسامع النَّاس بأولٰئك الصِّبية من مماليك بني أيوب، وقد تصاعدوا في الرُّتب، وعلوا في المناصب، واستوزروا الخُطب، واستأث...

حديثُ روحٍ عن قرَّة العين

صورة
  تدقُّ السَّاعة الرَّابعة، معلنةً دخول وقت العصر، يشرع المؤذِّن في أذانه، ويمضي الوقت قريباً. عشرون دقيقةً ثم يعود ليقيم الصَّلاة، وقبل أن يُتمَّ نصف أذان الإقامة، أكون قد قُمتُ لحظتئذٍ إلىٰ الجامع، أهمُّ بفتح الباب، فيتناهىٰ إلىٰ مسامعي قول أبي من ورائي: يلا (بتفخيم اللَّام) أنت وإياه عالصَّلاة! أردُّ: يابا أني راحي للصَّلاة أساساً، هل لازم عليك قولها رغم فتحي الباب؟ لَكَم كنتُ أكره تلك اللَّحظة حينها، تكرار تلك الكلمة: يلا عالصَّلاة، حتَّىٰ ولو كنتَ ذاهباً إلىٰ الصَّلاة، يُقال لك: يلَّا عالصَّلاة! حتَّىٰ لو كنتَ أساساً في الجامع تصلِّي يُقال لك: يلَّا عالصَّلاة! حتَّىٰ لو كنتَ إمام الجماعة حتَّىٰ، يُقال لكَ: يلَّا عالصَّلاة! يلَّا عالصَّلاة أوَّلاً وثانياً وثالثاً ورابعاً وأخيراً. وقد كنتُ حينها بعقلي الطُّفولي أروِّي الأمر في داخلي، فأقول: لا ريب أن أبي لا يأمرني بالصَّلاة إلَّا لِما لها من الأمر العظيم، والمكانة الرَّفيعة، وما في تركها من إثمٍ أعظم، وذنبٍ لا يُغتفر، ولٰكن كيف تُرانب أفعل وأنا الآن أذهب إلىٰ الجامع مُكرهاً، وأصلِّي مكرهاً، فأسهو في صلاتي عن الخشوع إلىٰ تذكُّر أ...

النَّقائضُ والأضداد

صورة
  كيف لكِ أن تعرفي النُّور؟ أليسَ بالظُّلمة؟ والأبيض لا أحسبكُ تُبصرينه علىٰ حقيقته لولا السَّواد، ولا الخيرَ إلَّا بالشَّرِّ، ولا الجمال إلَّا بالقُبحِ، ولن تعرفي فضل الطَّعام إلَّا بالجوعِ، ولا الماء إلَّا بالعطشِ، ولا متعة النَّومِ إلَّا بالنَّعس. تُعرف الأشياء بأضدادها وبنقائضها، يُستبان لكِ المعدن من نحت علىٰ ما يخدشه، وتجلبين منافر الشَّيء لتري صُلبه ولُبَّه، يقول أبو الطَّيب المُتنبِّي: ونديمُهُم وبهِم عرفنا فضلَهُ وبضدِّها تتبَيَّنُ الأشياءُ وقال دوقلة يصفُ دعد: بيضاءُ قد لبس الأديمُ الحسن بهاءً فهو لجلدها جلدُ فالوجهُ مثل الصُّبح مُبيضُّ والشَّعرُ مثل اللَّيل مُسوَدُّ ضِدَّانِ لِمَّا استُجمِعا حسُنا والضِدُّ يُظهِرُ حُسنهُ الضِدُّ فإنَّك لن تري المعاني علىٰ حقيقتها ما إن تعتادينها. الاعتياد جريمة، يُذهب حسَّكِ في فهم الأشياء، ويُغِمٌّ الغشاوة علىٰ عينيكِ فلا تبصرين إلَّا ملامح بُعَيدة المعنىٰ، سافرة الشَّكل، فتحسبين أنَّها كذٰلك علىٰ حيقيتها وما هي كما يُخيَّلُ إليكِ. إنَّ من الفهم العميق النَّظرُ للأشياء بعين البصر وعين البصيرة، وقد اشتركتا -وهٰذا أمر يندُرُ حدوثه- في الم...

جنَّة الله أم جنَّة الثَّورجيَّة والمحورجيَّة؟

صورة
  ما رأينا خبر نعي الشَّهيد بإذن الله أبو العبد إسماعيل هنيَّة رحمه الله، حتَّىٰ توالت كتاباتٌ وتغريداتٌ ومنشوراتٌ متعارضة الرَّأي، متضادَّة الفكر علىٰ سائر مواقع التَّواصل الاجتماعي، انقسم النَّاس قسمين؛ فمنهم من غلا وأفرط بوصفه له: سيُّد الشُّهداء، وجعله في مقام الصَّحابة والأولياء، وجماعةٌ فرَّطوا في لومه لبعض مواقف جماعته -حركة حماس- السِّياسيَّة، المخالفة للحقِّ، البعيدة عن الشَّرع. والنَّاظرُ بعين الدِّين والشَّريعة ما إن يرقُب الوضع حتَّىٰ يرىٰ أنَّ هٰذا ليس من عمل الدِّين قطعاً، وليس لهم من اسمه إلَّا الشَّكل لا المضمون. رأسُ هٰاتان الجماعتان: المحسوبين علىٰ القضيَّة الفلسطينيَّة والإخوان المسلمين من جهة، والمحسوبين علىٰ الثَّورة السِّوريَّة والمداخلة من جهةٍ أُخرىٰ. وهؤلاء أفرطوا في بيان مسألتهم، وتشدَّدوا في حكمهم، وغالا كلٌّ باستخدام الدِّين يُعضِّدُ به رأيه، ويُسند به حكمه، وهو أبعد النَّاس عن فهم مقاصد الدِّين، وعقل القياس والحكم علىٰ المسائل. ولا أدَّعي معاذ الله الفهم الصَّحيح وغيري الخاطئ، إنَّما الحقُّ بيِّن، والباطل أبيَن، فإنَّك إن لم تجد طريقك إلىٰ الحقِّ فتتَّب...

قصَّة قصيرة: الولاء والبراء في إنسانٍ ما

صورة
  - ألا تجدُ نفسك مُتحاملاً بوصمك لفلانٍ وعلِّان بصفاتٍ لا تليق؟ أما كان خيراً لو انشغلنا بالفكرة بدل نقاشنا حول رجالها؟ فما أنت ولا أنا بأهلٍ لأن نكون من رجالات الجرح والتَّعديل. أعني نعم قد تكون صدقت في وصمك له بالأشعريَّة، وهو لا ضير حقٌّ بأن يُنبَّه النَّاس عن بعض الأشخاص، لٰكن دون أن يكون ذٰلك مخوِّلاً لك أن تدخل في تكفير جماعةٍ منهم أو إخراجهم من الملَّة، لاسيَّما وأنت بعدُ -اعذرني علىٰ القول- غِرٌّ في مجال العقيدة، ابتدأت عهدك بذلك منذ عامٍ أو أقل، وهي فترةٌ قصيرةٌ نسبياً. أحبُّ لك الصَّلاح يا آخي يا مُعاذ فلا يزعجنك قولي.. - (يردُّ معاذ): أما ترىٰ ما ورد في كتبهم من موافقاتٍ للأشعريَّة، وتكفير الإمام أحمد بن حنبل لهم؟ - الإمام أحمد كفَّر الجهميَّة، فالأشاعرة لم يظهروا في عهده. - (يتدخَّل بلال علىٰ الخط): أعجبني قولة الحقِّ الَّتي صدرت منك، ولو علىٰ ما فيك من الأرجحة. - يا بلال، قولي بأنَّ الأشاعرة لم يكونوا في عهد الإمام أحمد فيه ما هو عليهم من الذَّم لا لهم. - وكيف ذلك؟ - ذاك أن الإمام أحمد وقد عاش في القرن الثَّالث الهجري، وهم لم يظهروا إلَّا في آخره، فهٰذا يعني أنَّهم مُ...