الثّقافة المعاصرة: داء الاستعلاء

 


حقيقةً الأمر يختلف جوهرياً بين الكاتب في عصرنا وسمة الكاتب في العصور الغابرة، دعني أفرد لك مساحةً عزيزي القارئ في معنىٰ الثّقافة أولاً، ثم نعرّج رويداً رويداً إلىٰ الثّقافة المعاصرة ومقصودي بهٰذه الكلمة. إنّك إن تفتح المعجم تلقىٰ الثّقافة تعود إلىٰ أصلٍ ثلاثي (ث ق ف)، كما نلفيها في المعجم الوسيط، تُشير إلىٰ: ثَقِفَ ثقفاً: صَار حاذقاً فطناً، فَهُوَ ثقف، وثقف العلم والصّناعة: حذقهما، وثقفَ الرّجل في الحَرْب: أدركهُ، وَثقف الشَّيء: ظفر بِهِ، وَفِي التَّنزِيل العزِيز قال تعالىٰ: ﴿واقتلوهم حيثُ ثقفتموهم﴾، ومن ذلك: ثاقفه، مثاقفة، وثقافاً: خاصمه، ولاعبه إِظهَاراً للمهارة والحذق، و(ثقف) الشَّيء: أقامَ المعوج منهُ وسوّاه، وثقف الإنسَان: أدّبه، وهذّبه، وَعلّمه، و(تثاقفوا): ثاقف بعضهم بعضاً، و(تثقف) مُطاوع ثقفه، و(الثّقافة): الْعُلُوم والمعارف والفنون الَّتي يُطلب الحذق فيها. فنعرّفها علىٰ النّحو التّالي: أنَّها خليطٌ تراكمي من المعارف والعلوم، الَّتي تبحّر فيها المرء، بُغية التّأثير في مجتمعه وفي ذاته قبل ذلك. وهذا في عصرنا، أما في العصور الآفلة كان مفردة «الكاتب» شبيهةً بـ«المثقّف»، إذ الكاتب في حينها لا يكون كاتباً لملكٍ أو أميرٍ أو عالمٍ أو وزيرٍ أو غيره إن لم يحوي في ذاته معارف متجدّدة، وشكل خطٍّ متفرِّدٍ، وأسلوباً في البيان غير ذي شبه عند غيره.. أي يصحُّ نقول فيه أنَّه مثقّفٌ في ذٰلك العصر.

والأصل بالمثّقّف أن لا يكون مستعلياً متكبّراً، وليس الأمر بمظهرٍ نمطيٍّ، أو صورةٍ متكرّرةٍ تعمُّ علىٰ كلّ من ادّعىٰ الثّقافة، ولا في بضع كلماتٍ تُقال بين الحين والآخر، يشأو بها أن يُظهر نفسه بمظهر الحاذق المتبصّر لخفايا الأمور، العالم بكليّات المسائل، وجزئياتها. فهل خفي عنك مظهرُ واحدٍ منهم، يكاد يختنق إذا لم يقل بين الكلمة والأخرىٰ مفردة «شعبوية»، ولم يُظهر نفسه في نطقها علىٰ أنَّه خارجٌ عمّا سرده جوستاف لوبون في نظريّته الَّتي أفرد فيها كتاباً «سيكولوجيا الجماهير»؟ وآخراً -رُبَّما يكون نفسه علىٰ أيّة حال-، يشعر بمغض في معدته إذ لم يحدّث قائلاً بالحوكمة والقوننة والدمقرطة واللّادولة، وغيرها من مصطلحات، يشعر أنها تعمّق من فلسفته الظّاهرة أمام شرذمة من رعاع البشر ينتهجون نهج الشّعبويّة! ويكاد يُقسم أن صرف نظر شعوب دول الجنوب عن التّجاذابات الفكريّة بين مفكري عصر الحداثة وما بعدها، وعدم اتّباعهم لسيروريّة العمل المؤسساتي، وعملهم الفردي بعيداً عن مؤسّسات المجتمع المدني هو السبب في الحرب الدّائرة في الشّرق الأوسط، وعلّة الدّمار والتّشرذم والتّهجير!

هٰذا المرء من صورته الطّبيعيّة المألوفة أنّك تراه قد ترك كمّاً من المجازر والمهالك التي وقع بها الشّعب السّوري، وكمّ التّضييق والإرهاب والإجرام الَّذي مُورِس علىٰ الأكثرية المسلمة -يُسمّون السُّنة وكأنّ هناك إسلاماً رافضياً ودرزياً ونصيريّاً- يرىٰ مثقّفنا المخترم أن هٰؤلاء الأكثريّة لا يحقّ لهم رغم ذٰلك أن يكونوا هم المتفرّدون في الحكم، رغم أنَّ أسس الدمقرطة الَّتي يتشدّق بها تقوم علىٰ حكم الشّعب، وعن طريق انتخابات تقوم علىٰ ترجيح رأي الأغلبيّة، والَّذي هم المسلمون. وما راع مثقّفنا المخترم صور مهالك صيدنايا وتدمر والجوية وغيرها، إنَّما ساءه ما حلّ لاسم زنوبيا إذ حذفه وزير التّربية من كتاب الدّيانة، وأرّقه تعديله لتفسير آية ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضّالين﴾ ليوافق التّفسير الإسلامي الصّحيح، فلا يحبّ أن يعرف النَّاس تفسير الآية بأنّ المغضوب عليهم هم اليهود، والضّالين هم النّصارىٰ؛ إذ هٰذا يجرح مشاعر المغضوب عليهم والضّالين! ومثّقفنا المخترم هٰذا يتورّع عن نقد الأقليّات بعد أن أصدر بعضهم بياناً بضرورة العفو عن الكل، وهٰذا يشمل المجرم وغير المجرم، أمّا حين يخرج مجاهدٌ ليندم علىٰ تحريره لوطنه بعد رؤية حفلاتٍ لا ترضي ربّه؛ فإنّ مثقّفنا المخترم يشدّ عليه بالتّقريع واللّوم، ويأنّبه علىٰ ذٰلك، إذ هو يمشي علىٰ آية طاغوته: ‏‎”الدّين لله والوطن للجميع“! وما راق له حرق شجرة عيد الميلاد، وهو الَّذي كان يمرّ علىٰ صور المساجد والجوامع المدّمر مرور العابرين!

عينُ أمره هٰذا في أنَّه وجد نفسه ببعض الكتب الَّتي قرأها، وشيءٍ من الدّورات والمحاضرات اليسيرة الَّتي شهدها، قد بلغ بذلك أرفع الرّتب، والمكانة الَّتي تليق به ليس أن يكون رأيه كباقي رأي النَّاس؛ بل يجد نفسه أنَّه أجلّهم مكانةً، فبعضهم حين سُئل عن علّة عدم توجيه النّقد للحكومة السوريّة الجديدة مباشرةً وقد علمنا أنَّهم يسمعون للنّقد، قال: عندهم رقمي، فليتّصلوا هم!
لا أحبّ يرحمك الله أن أشير إلىٰ اسمه، فكلّ مثلٍ من هٰذه الأمثلة لأشخاصٍ مختلفون عن بعضهم، إنَّما يجمعهم مثلبةٌ واحدة: التّثاقف، والاستعلاء الحضاري، وهو الَّذي تراه يطأطئ رأيه خجلاً أمام الغربي عند أيَّ نقد يوجّهه ذاك الغربي، ويتعامل مع نصوصه وكلامه علىٰ أنَّه أوامر قدسيّةٌ، لا يجوز تجاوزها، ولا يُسمح بتخطّيها، وأنت بكونك مواطناً عربياً مسلماً ليس الهدف من قيامك بدولةٍ أن تحوط بني قومك وترعاهم أحقّ رعايةٍ، بل أن ترضي سيده الغربي، فلا ينزعج لعدم احترامك لحقوق الأقليّات، أو نبذك للمساواة بين الجنسين، أو فتح بابك لتجنيس المجاهدين المهاجرين الَّذين شاركوك المغرم، فيأبون عليهم أن يشاركوك المغنم.

صورٌ شتّىٰ لهذا التّباعد الثّقافي، بين من يحسب نفسه أنَّه يعيش بين مجتمع غربيٍ مولغٍ في العلمنة والحداثة، مُبعدٍ عن الأخلاق والقيم والمبادئ، يدعو فيه إلىٰ احترام ما لا يُحترم، وتسفيل ما هو أوجب أمور حيواتنا. يتعامل مع بعض القضايا بتوجّس، ويُحَودِدُ مسائله الجمعيّة بحدود سايكس بيكو، ويجعل لقضيّته شأناً فوق شأن كلّ قضيّة في الأمّة، ودم بني حدوده أزرق وغيرهم أحمر كسائر الأقوام. ويتعامل مع الفاتحين علىٰ أنَّ وظيفتهم فتح البلاد، ثم الانصراف إلىٰ ثكناتهم، أو خيامهم، أو أيّ شيءٍ غير القصر الرّئاسي. وأنّ الإسلاميّين مكانهم في السّجون أو الجوامع إن كانوا مسالمين!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا الذي ما نظر إليّ أحد

لعلَّك تميلُ إلىٰ العمل في الاتِّحاد بعد أن تقرأ هٰذا

قصَّة قصيرة: عودة سيف الله