المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف ‏ ليالي شعرية

صخرةٌ فُلِقت: في أدبيات الاعتيادِ والتّناسي والأُلفةِ والتجلّد

صورة
عدَت عليّ من لحظاتِ عمري أمداً، أنا فيه قد جُبِلتُ علىٰ اشتراكِ المصائبِ. ودنت مني حبائل الدهر بعنفوانها المثبّط للنفوس، المُيْئس للروح، المهلك للقلب؛ أن صيّرتني مرهف الحسّ، مرهق البدن علىٰ سواء. وقد جُبِلتُ علىٰ احتمال شظف العيش، ومرارة المعاشرة؛ فأصبحتُ أسيرٌ جامد الوجه، هامد النفس، علىٰ وجنتيّ أمارات البرودة البليدة= فكأنّ هذا فيه من وسائل النسيان، علىٰ أن البعض قد حسبه أثرٌ من تقلّبات الحياة. وما فيّ إلا أنّي وجدتُ نفسي لا تُغني إن صدّت تلك الريح العاتية، فخيرٌ لي أن أكون كشجرةٍ، ميّالةٍ مع العاصفة؛ تمور مع الريح، وتقرّ بقرارها. فكان لي من نصيب هذا؛كأنّ ثبُتّ في مكاني ولو بعد حين. وهذا لعمركِ نتاج خبراتٍ متراكمةٍ تكاثرت إثر اعتراك الحياة، واختبار روّعاتها. ولربما قد جمعتُ في هذا بؤساً مع تجلّدٍ ظاهر، أي كما قال الجواهري: لم يبقَ عنديَ ما يبتزّهُ الألمُ حسبي من الموحشاتِ الهمُّ والهرمُ لم يبقَ عندي كفاءَ الحادثاتِ أسىًٰ ولا كفاءَ جراحاتٍ تضجُّ دمُ وحينَ تطغَىٰ علىٰ الحرَّان جمرتُهُ فالصمتُ أفضلُ ما يُطوَىٰ عليهِ فمُ وقد تكالبت عليكِ حوادث الأيام، حتىٰ غدت فيكِ حضورها من عدم...

ليالي اثنينية: في صحبة العباس بن الأحنف ١

صورة
ما حسبتني قد تعصف بي الأيام حتىٰ أكتب في الشعر، أو دعني أقل أن أكتب ما جالت به نفسي حين قرأت الشعر، وأنا أزعُم أن الشعر لا يُقرأ؛ بل الواجب أن يُرىٰ، ولا أن يقاس الشعر بموازين قراءة المرء للنثر، فإنه مكانه ليس العقل، بل لعلّ منبعه الروح، ودعامة هذا؛ أن الشاعر ما يطغىٰ بعنفوان شعره، ولا تجود قريحته، ولا تجلو خواطره، ولا ينظم الأبيات الحِسان إلا بعد أن تفيض فيه المشاعرُ حدّاً تتساقط الكلمات دون تروٍ، حدّاً تثور معه قريحته الشعرية، والتي هي حتماً ما نبعت من العقل. وإني مع العباس في عالمٍ خاصٍ سعِدتُ به، وما رجوت أن أرىٰ شعره إلا أن أحيا بالعربية كما حيا من قبلي. وحسبك به -أي العباس- قد أجاد وأوفىٰ في مجاله حتىٰ برع فيه، وصار واحد زمانه، بل والأزمنة التي تلته إلىٰ يومنا هذا في باب الغزل والعشق، وقد قلتها وأقولها أخرىٰ: ‏‎”حُقّ علىٰ العذريين أن يفخروا بسيادة ابن الأحنف عليهم“! وإن يسأل فلاناّ عن سر ذاك التشبيح، وطول ذاك التسحيج= فدونه ديوانه، ليفتحه، وليبصر أبيات شاعرنا، وليختر منه أنىٰ شاء، وليتلوه علىٰ غيره ممن لا خبر له باللغة، وليس باعٌ في العربية، ومن كان خطبه في امتحان الإعراب والنحو ...