المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف الأدب العربي

جلسة ليوانيّة مع كتاب مشكلة الحريّة لزكريا ابراهيم

صورة
  هل الحرّيّة مناطها أن تصنع ما بدا لك؟ إن كان كذلك فإن أرادتك علىٰ نحوٍ ما لا تقدم إلا علىٰ ما هو حقيقٌ بجلب اللّذة، وتحقيق المنفعة، فهل مثلاً إرهاق نفسك علىٰ الدراسة، أو صرفها إلىٰ الكدّ والتّعب في العمل هو حرّيّة؟ نعم، ربما تقول هي حرّيّة. ولكن أخبرني ما الذي يجبرك علىٰ أن تجلب لنفسك التّعب؟ أما كان أجدىٰ بك أن تؤول إلىٰ الراحة والدّعة، فهذا منىٰ النّفس وغايتها، ورجاء أمرها، ومناط وجودها، أنّها تحبّ الكسل، وتأوي إلىٰ الراحة والسّكون. علىٰ أنّنا لا ننفي عنك اختيارك للدراسة من أجل الاختبار، أو العمل لأجل لقمة العيش الحرّيّة والإرادة، بل الحقّ كل الحقّ لك في تقرير هذا إلىٰ معنىٰ الحرّيّة. وما أودّ قوله: أن الحرّيّة متفاوتة الأثر من شخصٍ إلىٰ آخر، ومن وضعٍ إلىٰ قرينه، ومن زمانٍ إلىٰ غيره، وهكذا دواليك. وإنّا فوق ذلك، لو أردنا مثلاً قياس أثر الحرّيّة أو شكلها ولونها وحجمها ومدىٰ تأثيرها فسنجدنا عاجزين عن ذلك قاصرين، ‏‎”فما الحرّيّة بشيءٍ يمكن تحديد وجوده، بل هي إثباتٌ للشخصيّة وتقرير وجود الإنسان، فهي ليست موضوعاً يُعاين بل هي حياة تُعانىٰ، وربما كان مَثَلُ الحرّيّة كمثل الحركة؛ فإن ...

وقفةٌ مع كتاب: تاريخِ سوريا الحديث لـعبد الرّحمٰن نمّوس

صورة
  هذه الديار التي اسمها بلاد الشام، ديارٌ علىٰ بركتها اُترِعت فِتناً، وعلىٰ جمالها مُلِئت قبائحاً، وعلىٰ سهولة أرضها زِيدَت مصاعباً ومَكارهاً. هذه ديارٌ لا يزيدك بُعادها إلا قُرباً، ولا تستعصيكَ مرارتها إلا حلاوةً، ولا يُغويك ظلمها إلا عدلاً. ألا فأنعِم ببلاد الشام قاطبةً، وبسوريا خاصّةً. منذ مشارع القرن العشرين، ومع تذبذب أحوال الدولة العثمانيّة، التي أوت إلىٰ انحدارٍ باضطّرادٍ منذ عهد سليمٍ الثالث، وإقراره تشاريع عَلمانيّةٍ في صُلب الدولة، ثم قدوم محمودٍ الثاني وصنعه في الدولة ما صنع محمد علي باشا في مصر من تمرير قوانين غربيّة فرنسيّة وسويسريّةٍ في عصب الدولة وقضائها. الدولة العثمانيّة التي ما حكمت بلاد العرب إلا باسم الله، فكانت تلك كشعرةٍ قصمت ضهر البعير. فعلىٰ ظُلمها في كثيرٍ من الأعوام بسبّة أساليب حُكمها الإقطاعي، وتسلّط وُلاتِها وجُباتها وأمرائها العسكريين؛ فقد سكن الناس ورَوعَهم لمّا ظنّوا أنها دولةً مُسلمةّ؛ لا نخرج فتكون مفسدة. فإن أتيتِ أيتها الدولة وحكّمتِ غير شرع الله فيهم؛ فما الرّادع لهم أن يثوروا؟ وقد أتىٰ عبد الحميد الثاني إلىٰ السلطة، ودعا إلىٰ جامعةٍ إسلاميّةٍ، ...

نظرةٌ علىٰ كتاب من أيام العمر الماضي لـلنفيسي

صورة
إنما المرء بتجاربه، لا ساعاته وأيّامه. وحسبهُ أن يغتنم بعض ما عنده من الوقت في تعجيل عقلهِ الإدراك، وتسريع قلبهِ الفهم. وإن مَناط المرءِ في كسب العُلا أن يدرأ عن نفسه سُبل التراخي، وأن يشتدّ في عزيمته علىٰ امتطاء المَكاره، وألّا يُمالي نفسه علىٰ السّكون والدّعة، والخُمول والكسل. وحسبهُ من المُنجيات الفُضول الذي يعتريه، وحبّ الإطّلاع الذي يُسابقه الوقت، فيخشىٰ أن يطوفَه وما كسَبَ شيئاً! وإن الدّكتور عبد الله النفيسي رجلٌ قد أعياه السّكون، فهو لا يِطيق القعود؛ فإن لم يعمل، جهِد أن يتعلّم. وربّما قال أحدُهم: إن له عائلةً تسندُهُ فيستغني عن النّاس، ولهم من الأموال ما لا يحتاج معها منحٌ ودعمٍ، يكتفي بما عند أبيه، فأنّىٰ لنا مثل ما عنده؟ وقد ذكرتُ لعمري قولاً لابن حزمٍ الأندلسي الظاهري، وهو العالم الفقيه المفكّر الفيلسوف الوزير ابن الوزير المُتربّي في بيت العز والجاه، بين النساء والجواري، والترف والنعماء، إذ تعلمون أنه كان من بيت وزارةٍ وغنىًٰ، فجعل بعض أقرانه يوعزون تفوّقه عليهم، وتمكّنه من العلوم شتىٰ لِما عند أبيه من المكانةِ والجاه والوجاه، إذ وقعت مناظرةٌ بين ابن حزم وأبي الوليد الباجي،...

نظرةٌ علىٰ كتاب «النظرات» لبليغنا المنفلوطي

صورة
لا أدري سرّ ذاك الولع الشديد بالنظرات، ولا ذاكم الوله، وأحسب أن فيه من السحر ما يجبُلُ الناس علىٰ أن تميل إليه. ميل الإكراه والتعدي مع محبة ذلك الإكراه. ميلٌ ترىٰ النفس فيه أن تقذف إلىٰ الهاوية ما يصدها عنه شيئاً، ولا يثنيها عن قربه قيد أُنملة. وهو سحرٌ لا يحتمل حقيقة سحر البيان والبلاغة فحسب، ولا سحر الوصف الذي يغنينا عن الصورة بعينها وذاتها؛ بل سحرٌ ظغىٰ وتجبّر، ومَلَكَ علىٰ الروح حِسّها، وعلىٰ النفس رَجْسها ووجْسها أن تفارقه، وأن يُنزع منها نزع الظفر عن اللحم، والوتين عن الجسد. لا أدري كيف أصِفُ شيئاً عجزتُ -وإن قضيت الدهر- أن آتي بمثل نصٍّ منه ناهيك عنه جملةً، ولا يقولنّ أحدكم: لا تبالغ. وإني والله أعلم بنفسي من نفسي، "وأهل مكّة أدرىٰ بشعابها"، "ورحم الله امرئٍ عرف قدرَ نفسه". وما أراني أشبّهه إلا بقصة الحبيب لحبِّه، فهو يلاقي منه الصُّدود فيزداد هُياماً، ويُنفّره فيزاد قُرباً، وكلما اشتد به لان له، وإذ يصطرخ عليه هجع هجوع الطفل بعد نحيبه ونشيجه علىٰ صدر أمه. وذاكمُ وهذا سيان المعنىٰ عندي، كلما تاقت نفسي إليه أحسست بصدّه عني، وهو بالقرب مني بقرب حبل الوريد. ولقد...

نظرةٌ علىٰ رواية «علىٰ أعتاب غرناطة» لأحمد أمين

صورة
          لم يكن علي أنا في هذه الحالة من النشوةِ بعد انتهائي من الاختبارات بخيرٍ وسلامةٍ أن أرهق عقلي وقلبي وروحي ونفسي بأمورٍ قد خلت، وأحداثٍ قد مضت، لن يسألنا الله عنها، ولن نُحاسب عليها. إلا أن الإنسان عدو ما يجهل، ولربما كان كما قيل: "العاقلُ من اتعضَ بغيرهِ، والشقيُّ من اتعضَ بنفسهِ.". ولقد أردت عن أفهم.. حقاً أريد أن أفهم! لماذا أشعر أن التاريخ يدور في حلقةٍ مُفرغة؟ لماذا بتُ أرى أن ما حدث في المورسكيين: من ذلٍّ وهوانٍ، وضنك عيش، وإخفاء هُويةٍ، وإظهار غير ما يُبطن؛ غدا ظاهراً فينا رُأي العين! لربما لو أمعنا النظر، وأكحلنا البصر لبان لنا التشابه الكبير، والخصال الجليلة التي أمست عاملاً مشتركاً بيننا معاشر العرب، والمسلمين.. أو حتى الدول والممالك. هذا ما أثبته ابن خلدون؛ غير أنه وضعنا -رحمه الله- في قلب الصورة دون أن يحرك فينا المشاعر، ودون أن تهتز قلوبنا من وقع وهول ما قد جرى على أسلافنا. لقد أراد منا صاحب المقدمةِ أن نتعضَ بمن سلف، كي نكون خيرَ خلف. وإنك ترى الناس قد ولعوا بتاريخ الأندلسِ وأهلها، وهاموا في أخبارِهم وأشعارِهم، وفنِّهم وعلمِهم، وحضارتِهم وج...