نظرةٌ علىٰ كتاب من أيام العمر الماضي لـلنفيسي
إنما المرء بتجاربه، لا ساعاته وأيّامه. وحسبهُ أن يغتنم بعض ما عنده من الوقت في تعجيل عقلهِ الإدراك، وتسريع قلبهِ الفهم. وإن مَناط المرءِ في كسب العُلا أن يدرأ عن نفسه سُبل التراخي، وأن يشتدّ في عزيمته علىٰ امتطاء المَكاره، وألّا يُمالي نفسه علىٰ السّكون والدّعة، والخُمول والكسل. وحسبهُ من المُنجيات الفُضول الذي يعتريه، وحبّ الإطّلاع الذي يُسابقه الوقت، فيخشىٰ أن يطوفَه وما كسَبَ شيئاً! وإن الدّكتور عبد الله النفيسي رجلٌ قد أعياه السّكون، فهو لا يِطيق القعود؛ فإن لم يعمل، جهِد أن يتعلّم. وربّما قال أحدُهم: إن له عائلةً تسندُهُ فيستغني عن النّاس، ولهم من الأموال ما لا يحتاج معها منحٌ ودعمٍ، يكتفي بما عند أبيه، فأنّىٰ لنا مثل ما عنده؟ وقد ذكرتُ لعمري قولاً لابن حزمٍ الأندلسي الظاهري، وهو العالم الفقيه المفكّر الفيلسوف الوزير ابن الوزير المُتربّي في بيت العز والجاه، بين النساء والجواري، والترف والنعماء، إذ تعلمون أنه كان من بيت وزارةٍ وغنىًٰ، فجعل بعض أقرانه يوعزون تفوّقه عليهم، وتمكّنه من العلوم شتىٰ لِما عند أبيه من المكانةِ والجاه والوجاه، إذ وقعت مناظرةٌ بين ابن حزم وأبي الوليد الباجي،...