المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف ظل المعاني

اليوم السّادس عشر: السعادة ومشتقّاتها

صورة
  دعوني أن أبدأ الخاطرة بشيءٍ مضحك، علىٰ الأقل بالنسبة لي، منذ أن قدمتُ إلىٰ تركيا، وعاشرتُ جماعة المتصوّفة لسنةٍ أو جوارها، لُصِق في ذهني معنىٰ السعادة بأمرٍ آخر، أنهم كانوا إذا تحادثوا في مسألة التاريخ، كانوا يشيرون كما هم عامة الترك إلىٰ عصر الخلافة الراشدة بمسمىٰ «عصر سعادت»، فصرتُ كلما سمعت أو قرأتُ كلمة السعادة، تذكّرتُ تلك اللحظة. وهي لحظاتٌ كنتُ فيها في سرورٍ وبهجةٍ، علىٰ الوحدة التي شعرتُ فيها ذاك العام، عام قدمتُ إلىٰ تركيا، وقد كان مقدمي إليها حلماً تمنّيته علىٰ ربي لو يُتَحقّق، وطال أملي فيه، وشعرتُ أني سأذهب لا محالة، لم أكن لأشكّ في ذلك لحظةً، رغم ما كانت يعيقُني عن ذلك المطمح من مشغلات الحياة المعتادة، إلَّا أنّني شعرتُني أسير في بعض ضواحي اسطنبول، وفي طرقها وأزقّتها، وأن أصل جامع آيا صوفيا، والذي كنتُ أسمّيه دوماً جامع آيا صوفيا رغم أنّه حينها كان متحفاً، ظل عليه قرابة 85 عاماً أو نحوها، وأن أصل إلىٰ جامع السليمانية، وأزور سور اسطنبول، وبرج غلطة، وجزر الفتاة، ومكان تصوير مسلسل الحفرة Çukur الكائن في حي بلاط.. وقد زرتُ كلّ هذا، وأكثر حتَّىٰ، وكنتُ حينها معلّقاً نفسي ...

اليوم الخامس عشر: إنّ الله مع الصابرين

صورة
  لعلّ الناس يفهمون الابتلاء بلغطٍ واضحٍ، وحقيقة ذلك منبعه من عدم درايتهم بالمسألة من وجهها المشروع، فيظّنون أن المرء يؤجر علىٰ الابتلاء، ويتناسون أن الأجر لا يكمل إلَّا بصبرهم علىٰ ذلك. ولو وعوا هذا الطرح لاستقامت لهم نفوسهم وفق المعنىٰ الذي نعرفه عن الصبر. ولا أدري كيف تصبر بعض النفوس علىٰ عدم صبرها، أعني ما رأيتُ الجزع يغني عن المرء شيئاً، ولو كان الدموع تعيد ما تأسّىٰ عليه الإنسان، لما عاش في الأرض سعيد. فيحضرني مشهدٌ لأعظم الخلق، يوم وقف سعيداً وقد رُزِق بولدٍ بعد أن شارف علىٰ نهاية المسير، نظر وهو في الستين من عمره إلىٰ ولده ابراهيم، وفي عينه نظرة الأب لابنٍ له يراه بعد سنين من آخر واحدٍ قد توفي صغيراً، فلكأنّي أراه مستبشراّ ومهلّلاً، يبشّر أصحابه بولده، ويذبح له عقيقته. والنَّاس في فرحاً وسرور لنبيهم إذا رُزِق ولده الوحيد في آخر عمره. ثم ما إن مضت أشهرٌ معدودة، حتَّىٰ جاء الخبر الَّذي ساد الحزن فيه المدينة، وخشعت أصوات السرور لحضرة الموت، فيلتقط عظيمنا ابنه، ويراه يحتضر، وليس له من حيلته شيء، وعيونه تذرف الدموع التي كانت قد مُلِئت فرحاً من قبل، ثم يقبله ويقول صابراً متصبّراً...

اليوم الرّابع عشر: الفشل وشركاؤه

صورة
  الأمر أعقد من أحدّثك عن الفشل، وأن أقول لك افعل ولا تفعل، وافهم ولا تفهم ذلك أني لربما أعيشه ولكن لم أتعرف عليه، وهو دأبي مع أشياء كثيرة، كالصداع مثلاً، لم أكن أعرف كيف يكون رغم أنّ في بعض الأحيان ينتابني شعورٌ كأنّ مخي قد صار يتخبّط علىٰ جوانب الحمجمة، وكذا الحرقة التي يزعمون أنها في المعدة، لم أصل إلىٰ نتيجة حتمية أتبيّن فيها شكلها وطريقتها. وعلّة جهلي به -أي الفشل- هو أنّني أتعامل مع الفشل بلونٍ مختلفٍ عما تعارف عليه الناس، لا أقول أن فلسفتي فيه لها وجه حقٍّ، ولكنني لا شكّ فيه أعتقدها إيماناً، لا مجرد كلماتٍ أَصُفُّها، أرىٰ أنّ الفشل يكون بحقٍ حين ينصرف المرء عن الإقدام دفعاً لحالة الهدوء الذي يعيشه، والرتابة التي يركن إليها، حين يكره المرء الخروج عن روتينه المعتاد، من منطقة الراحة تلك، إذ يستغني عن أي شيءٍ في سبيل متعته لا غير. مازالتُ أجهل كيف يعتبرون الرسوب في الاختبار فشل! إذ لا أجد للاختبارات والدراسة المقلّبة في المدارس وحتىٰ الجامعات -في منطقتنا- أثراً هائلاً يصير الراسب في بعضها فاشلاً، ولا من يسعىٰ للمال والغنىٰ، ثم يقصر في بعضها، ولا من يخطّط لأمرٍ، أو يجهّز لمسألةٍ،...

اليوم الثّالث عشر: ما أهمّية الوقت؟ دعني أنبيكَ عنه

صورة
  أزعم -ومزاعمي كثيرة- أنّ الإنسان ما رُزِق نعمةً بعد الإسلام واللغة العربية والبصر والحب خيراً من الوقت! وقد أحتاج لإثبات ذلك الزعم جهداً جهيداً وعملاً مضنياً من حيث استجلاب الأدلة، وإجلاء البراهين، وتقديم الحجج متتاليات، غير أنّي وصلتُ إلىٰ قناعةٍ أنّ أبدىٰ من ذلك هو أن أقول: لو يعلم أنّي ما أشعر في بعض يومي أعزّ عليّ من وقتي أن يُفقد؟ أحسّ بأنّ الوقت إنسانٌ حي، له طابعٌ روحي، تستتفقده في وحشةٍ من نفسك، ويعظم فيك خطب ضياعه برهةً، والغريب أنّه بتوفّره يضعك في مأزقٍ عصيبٍ لا تُحسد عليه، فيصير اسمه الفراغ، وذاك الفراغ مقتلةٌ لو علم ذي الرأي مكانته. وأرىٰ أنّ الإنسان ميّالٌ إلىٰ الانجاز حين يحتدم عليه الوقت، وتتضاءل المساحة الَّتي عهد علىٰ نفسه فيها أن يملأها بما هو حسنٌ وجميلٌ من قراءة ومطالعة، وكتابةٍ وحفظ للقرآن والأشعار، وبحثٍ وتمحيص في مسائل مشوقٌ لها، وفي تضاءلها ذاك، وفي ضيق الوقت الَّذي يعيشه في كثيرٍ من أحايينه، يجد نفسه أسرع في إنجاز تلك المهام، أو دعنا نَقُل الهوايات. وحين فراغه الَّذي يمنّيه فترةً، يجد حاله منجذبٌ إلىٰ القعود دون أي شيء، يشعر أنّه لا يقدر علىٰ أن يفعل شيئ...

اليوم الثّاني عشر: النجاح بشقّيْه

صورة
هل أعرّف لك النجاح؟ كيف أفعل وأنا الذي تحصّلت في الثانوية العامة علىٰ درجة 76%! ليس الأمر بأنّي متقبّل لفكرة أنّ هذه الدرجة لا تعد من النجاح بشيء، وأنّك يا إنسان إمّا أن تكون أو لا تكون، إما أن تنل الامتياز، أو أنت في أسفل السافلين، وحينها، لك أن تدرس تخصص الشريعة أو أن تكون مدرّس لغة انجليزيّة أو عربيّة في أحسن الأحوال. نعم لستُ ممن يعتقد هذا، ولكنّي بحالٍ من الأحوال وسط النَّاس، الذين ينظرون للدرجة الثانوية علىٰ أنها مقياسٌ للنجاح من عدمه، وهي الميزان الذي يضعون علىٰ كفّته أبناءهم، فمن حاز 90% فما فوق فهو من نخبة النخبة، ومن الحضرة، وبياض البلد، وعلية القوم، والطبقة المخملية. وإنّ من سبل الترقي في درب النجاح الذي صِيغ عند العوام، وتجامع الناس عليه عهداً طويلاً، وصار فيهم قاعدةً لا يُحاز عنها، ولا يُحايد فيها، ولا يُعتدُّ بغيرها؛ أن يدرس المرء الطب أو الهندسة. فهما كريال مدريد وبرشلونة، فمن اختار أتلتيكو مدريد أو اشبيلية فهو فاشلٌ لا محالة، امرؤٌ ما وجد تخصّصاً تشفع له درجته أن يدخله، فأُوجد له بعض تخصّصات العلوم الإنسانية، لعلّه ينشغل بفشله هناك، ويثري مرآنا بعدم رؤيته، ولا يصرع رأس ...

اليوم الحادي عشر: الإيمان

صورة
  «بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسولُ الله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعتَ إليه سبيلاً، قال: صدقتَ، فعجبنا له: يسأله ويُصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمةُ ربَّتها، وأن ترى الحُفاة العُراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، ثم انطلق، فلبثتُ مليّاً، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يُعلمكم دينَكم.» رواه مسلم. نعم كنتُ كلما قرأتُ هذا الحديث عن سيدنا عمر -رضي الله عن...

اليوم العاشر: نقطة تحوّل

صورة
عيش المرء أكثر سلاسةً واعتياداً من أن يقدم علىٰ شيءٍ يخالف الدّعة الَّتي هو فيها، فالنفس ميالةٌ للاستغراق بالسكون، وعيشها التي تهواه لا يكون إلَّا في منطقة الراحة. وهدوء البال والخاطر مقدّمان علىٰ اجتلاب عظام الأمور الَّتي لا تكون إلَّا بالجسام منها. وقد يتغاضىٰ المرء عن بعض ميزات ذلك الإقدام مقابل أن يستكين ويرتاح. وحين يهمّ بصنع شيءٍ يكون ذا أثرٍ ونفعٍ عليه وعلىٰ من حوله، ينتظر اللحظة المناسبة، وتلكم اللحظة لعمري لا يهتدي لها المرء في عادة الأمر إليها، بل تراه يغفل عنها، كأن تقول وأنت في الساعة 11:52 دقيقة: سأدرس للامتحان عند الساعة 12. فتنتظر الساعة 12 عوضاً أن تشرع في خلق اللحظة المناسبة بنفسك، ففارق الثمان دقائق الَّتي بينك وبين الثانية عشرة لربما عَنَتْ شيئاً ذا حجمٍ شاسعٍ بمرور الزمن إن جمعتها وغيرها من لمم الدقائق. ولعلّ النفس وإذ تحبّ الدعة كما أسلفنا، تختلق لنفسها المعاذير والأسباب، وتدافع عن قيامها بالحجج المتوفرة، فلعلً الوقت يكون أول الأسباب، أو حاجتها إلىٰ الطعام أو الشراب، أو أنّ المكان غير مناسب، أو أنّ الزمن بذاته ما زال فائضاً فترجّح أن تبدأ الغد. وهذا التسويف لعمري م...

اليوم التّاسع: صديقي الذي ما خذلني

صورة
لعلّه من المضحك بعض الشيء حين أعنون الخاطرة بهذا الشكل، ثم يتبادر إلى الذهن أنني سأتحدّث عن شخصٍ بعينه، وألقي عليه عبارات الامتنان والتبجيل على ما أثّر فيّ، فإذا بي أقصد بالصديق الكتاب. بهذا أقتدي لربما بقول المتنبي: وخير صديقٍ في الأنام كتاب إذ أني تفكّرت بكل شخص أطلقتُ عليه يوماً ما مفردة صديق، أو مشتقّاتها من البتروصديقيّات والأصحاب والرفقاء التشاركيّين والمكافحين، وبكل تفصيلةٍ عشتها معهم، بكافة المتع والمغامرات التي قضيناها، وبكل المعاني التي وجدتها في نفسي بقربي معهم، وبما أحرزوه في داخلي، بخيره وشره، سيّئه وحسنه، منافعه ومضارّه، وبما أورثوه في من عاداتٍ ومعايشاتٍ زرعوها في طبعي وفي جبلّتي، وبالأخلاق التي وطّنوني على بعضها، وصرفوا منها شيئاً، تفكّرت في كل ذلك؛ فرأيت ما منهم من أحدٍ بلغ مني مبلغاً أشهد له بعظيم الأثر، وجزيل الأمارات. وقد يزعم قائلٌ أنّ هذا على سبيل الكِبر واغترار النفس ببعض ما وهبه الله، وأنّ التواضع الذي يدّعيه فيه نظرٌ لا يغفله عاقلٌ متبصّرٌ فطن، وأن من التّخلّق الحسن ممّا شهدنا عليه في أخبار من سبق من الأسلاف العظام أن يعرف المرء لغيره حقّه. وهذا لعمري صوابٌ لا ...

اليوم الثّامن: الخوف، ومغالبته

صورة
  كان السؤال الَّذي دائماً ما حار في ذهني عن الخوف وأحواله ودرجاته، وهل شعور الرّجل به هو نقصانٌ في رجولته، وقدحٌ فيه وذمٌّ لمكانته؟ قد علمنا أنّ مناط شجاعة المرء مغالبته للخوف ساعة أن يقدم عليه، كقول العرب: «إنّما الشّجاعة صبر ساعة». وحين يغلبه الخوف يُحال في الوصف إلىٰ الجُبن، الَّذي هو نقيضه. فحتّىٰ مجرّد الاعتراف المرء لنفسه، وحديثه في سرّه الَّذي لا يطّلع عليه غير ربّه، عن مخاوفه هو نوعٌ من الأسيلة المؤرقة لذهني. فلطالما وجدتني أكابر علىٰ نفسي أن أعترف بخوفي من شيءٍ ما، أتهيّب حتَّىٰ الاعتراف، وأن أسقط في عين نفسي ذاتها، وقد أرىٰ وقد تبعتُ قول جبران: «وعظتني نفسي؛ فعلّمتني ألَّا أطربَ لمديحٍ، ولا أجزعَ لمذمّةٍ» أنّ النّفس هي القاضي الذي أنصاعُ لحكمه، وهي الميزان الَّتي أزنُ فيها الطّبائع الَّتي أتخلّقها؛ حسنها من وجه المروءة وسيئها. وليس دوماً باعثُ الدّين ميزانٌ في كلّ الأخلاق، فنعم قد حثّ علىٰ البر والمكارم والمروءات، ولكن أخبرني هل يجب علىٰ المرء أن يكون شجاعاً؟ مثلاً أن يهرب المرء من رجلٍ مجنون، هل هذا جُبن؟ أن يتهيّب المرء صعود المرتفعات، هل هذا جُبن؟ أن يخشىٰ الموت، هل ه...

اليوم السّابع: إنجازٌ أفاخرُ به

صورة
  لا أرتضي لنفسي دوماً أن أكون بين ثنائيّة التّخيير، أو ربط النتيجة بعلّةٍ واحد وسببٍ أوحد، أو الاكتفاء برقمٍ واحدٍ دوناً عن غيره بالفخر والاعتزاز، أو أن أرجّح طرفاً علىٰ آخر في ميدان المغالبة والمناكفة، أشعر أن تحديد النفس بقوالبٍ من الأسئلة والخيارات معيقٌ لها عن رأيها الحقيقي صرفةً. فحين تريد منّي أن أختار بين الشاي والقهوة، فأنت تدفعني لاختيار ما لا أرغب فيه، إلىٰ ما ترغب أنت فيه، فلربما رغبتُ بالحليب، أو العصير، أو نحو ذلك من المشروبات، أو حتَّىٰ رُبَّما لم أرغب بشي سوىٰ الماء. وحين تسألني عن سقوط الدولة العثمانية، وتتنظر مني أن أقول لك سبب ذلك هي الثورة العربية الكبرىٰ، متناسياً العصيانات الكثيرة الَّتي نتجت عن صعود الخطابات القومية بين الأقليات العرقية والطّائفيّة والمذهبيّة في أصقاع الامبراطوريّة، وغلبة الديون الَّتي أثقلت أحمال الدولة، وتكالب الدول الغربية عليها، واستشراء الفساد في مفاصلها، وعكوم الجهل، وكثرة الاستبداد، والمركزية المترهّلة، والبيروقراطيّة السارية بين موظّفي الدولة، وتقاعس الولاة عن ضبط الأقاليم بسعة الصدر، واستنكاف الجيش عن خدمة بلده ساعياً إلىٰ انضمام بعض...

اليوم السّادس: الخطأ الذي لن أعاوده

صورة
  قد عرفتُ أن سقطة المرء في حفرةٍ إذ يسير، ليست بحجّةٍ عليه أنّه غير ذي كُفؤٍ للمهام الجسام، وانّ هنالك عللاً وأموراً تُفسّر تلكم السقطة، فلعلّ الإضاءة ليست بذلك القدر، فلم تتّضح الرؤية ولم تستقم، أو لربّما كان في عجلةٍ من أمره، أو نحو ذلك من الأمور التي تشغله عن إبصار ما هو حوله، أو سوء تقديرٍ بأنّ خطوته القادمة لم تكن لتجسو على الحفرة، وحسِبَ أنّه كان ليتخطّاها، أو لعلّ هنالك عارضاً ألم به، فهو حائلٌ بينه وبين النّجاة من تلك الحفرة. ولكنّها تبقى حفرةً على أيّة حال، فتُصيب منه لا ريب بعض الأذى والنّعرات، لكنها يسيرةٌ بقدرٍ معقول. وهنا ليس الخطأ في تقدير تلك الحفرة، ومن ثم السقوط فيها؛ إنما الوقوع مرّةً أخرى ذات الحفرة، والسّقوط فيها مراراً وتكراراً، دون جعل التجربة السابقة معياراً للتعلم والاعتبار.  فالخطأ الذي تعلمتُ منه كثيراً ليس بالضرورة الحتمية أن نسيّر معناه على أنه خطأٌ بالقدر الذي نجعله نكسةً أو هفوةً أو كبوةً؛ درساً يقتفي المرء آثاره وعلل وأسبابه ومضامنه التي وعاها، فإنّ الحياة تجاربٌ، منها ما تختبره النفس فتمضي في اجتيازها بتوخّيها، ومنها ما هو من تجارب الناس فيتحاذ...

اليوم الخامس: السكينة بين زوايا بيت الله

صورة
  علىٰ أنّ قيظ الصّيف حينها قد اشتدّ بشكله الاعتيادي في شهر تمّوز، والحرارة الَّتي لا يصمد معها المرء حيناً كثيراً في جلّ حاله، لاسيّما منتصف الظّهيرة، أو حتَّىٰ عند العصر، بل وعند المغرب والعشاء، أو لعلّ الطّقس لا يصفو للمرء في ذاك الشّهر إلَّا عند الفجر، تشعر أنّ نسمات الهواء حينها معوّضةً لك عن حرور اليوم واللّيل كلّه، وفي الحقيقة أن نسيم الصّيف أرقّ عندي من هواء الشّتاء، فأنت بالشّتاء طقسك كلّه هواءٌ ورياحٌ وبردٌ معتاد، ليس من شيءٍ جديد عليك حينها أن تلحظ ميزةً في هبة نسمة الهواء التي تحمل في طياتها البرودة الموجودة أساساً، أما في الصيف، فقد يترآىٰ لي ما ترآى للأعرابي الذي يعتمّ عمامته، مُرتدٍ عباءته، وقد اشتدّ عليه الحرّ، ثم أناخ راحلته، وعمّد عصاه، وأرخىٰ عليها العمامة، واستوسد العباءة، ومكث تحت ظلّها، فتسعفه النّسمات الرّائقة، والهواء العليل الذي يهبّ بين الفينة والأخرى، وسط هذه البيداء القاحلة. قد استطردت كعادتي، ولا أعلم متىٰ أراني أخلصَ من هٰذه العادة الكتابية، فقلمي إذا أرحته بالكتابة؛ يأبىٰ إلَّا أن يملي كلّ ما في النفس من ظلال المعاني الَّتي في تكنّها، على أن هذا هو ما...

اليوم الرابع: الشخص الذي غير مجرى حياتك

صورة
 أسرد لك الكثير منهم إن شئت أن أسرد، ممّن لقيت منهم في الشوارع والحارات، ومن حاورتهم بحديثٍ أخذ منّي شيئاً، واجتزأ من بعضي حالاً أزعم أنه بقي فيّ طويلاً. لكنّني أعلم علم اليقين ممّا وعيته في سنين عمري التي خلت، وممّا أمضيته بين ورقات الكتب، وفهمته من أقوال من سبقت فيهم التجارب، واختمرت في عقولهم الأفهام الجلية الوضّاحة: أن التأثير لا يُقاس بما يُحاط حول المادّيّات من شواغل الدنيا وصوارف النّفس، إنّما بما أُحدث في الروح من عوالق الإيمان، ومِن اشتعالها بحماسة الدين، ومحادثة النفس بالجهاد ونصرة الأمّة. وأنّ الدنيا إن طرقت بابك بكلّ متعها، وبزينتها التي أغوت الكثير والكثير من بني البشر، وحالت بيننا وبين التي عرضها السماوات والأرض، وأغوت من سعة باله من عرفنا، ومن زهدت نفسه بالأمور، ومن ظنّ بعلمه، وسعة فقهه قد نجى، ومن استأسد على الأمم بكلماته وحروفه، وزمجر بأعلى صوته، يخفق بارق وجهه حتى يُرى فيُشار له بالبنان، ثم حين يؤذّن داعي الجهاد وحيّ عليه يا عباد الله؛ نكص على عقبيه.. فكيف يؤثّر بالمرء شخصٌ ويغيّر مجرى حياته؟ حتى لكأنّه بدّاه على نفسه يقدّمه، ويعليه مكانةً حتى أنكر عليه أعزّ الناس...

اليوم الثّالث: أصعب قرار اتّخذتُه

صورة
  الأمر أحبّ تعريفه علىٰ نحو ما أجده في كتب الأدب، وفي الواقع، إذ إنّي مولعٌ بالكتب والقراءة، أجدني ميّال أكثر إلىٰ بيان أيّ حالٍ في نفسي من جانب الأدب وآثار العرب علىٰ وجه التّحديد. وممّا وعيته فيها: الأمر أشبه بأن تكون بين خيارين أحلاهما مر. لكنّك تمضي فيه علىٰ أيّة حال. فلستَ مخيّراً في ترك الأمرّين، وأنت محكومٌ علىٰ التّرجيح بينهما وفق مقتضيات الحال، وحساب عوامل النّفع فيها والضّرر، ولعلّ بعض الضّرر الّذي تظنّه مفتاح باطنه خيرٌ تجهله، والأيّام كفيلةٌ ببيان ذلك وإجلائه: ستبدي لك الأيّام ما كنتَ جاهلاً وتأتيك بالأخبارِ من لم تزوّدِ وقد تذكّرتني يوم رماني الدّهر بالأرزاء، وخيّرت غير مُتركِ بين اغترابٍ فيها من لوعة فراق الأهل، والبُعد عن الأم والأب، والأخت والأخ، وتحمّل مضّان الحياة بعيشة الأعزب الَّذي لا أهل له، إذ كأنّك قد استخلصت زرعةً من أرضها، واشتللت جدورها من ترابها، وأنا الَّذي عشتُ دوماً تحت كنفي والداي، فما أستفيق إلَّا علىٰ صوت أحدهما يوقظانني للفجر وللمدرسة أو العمل، ولا أعود إلَّا وقد رأيتُ الطّعام علىٰ السّفرة قد أنضجته أمّي بما تصنعه من غذاءٍ ما تدري أهو للعين أشبع أ...

اليوم الثّاني: أسعد لحظة في حياتي

صورة
  لا أدري على ما سأستند في دعواي بأن هناك لحظةً هي أسعد لحظةٍ في حياتي؟ ما هي الأسس التي سأقوم عليها في توطيد دعائم المفاضلة بين لحظةٍ وأختها فيمن هي سنام هرم السعادة عندي . وقد خلصت إلى أن الأمر أعسر ممّا يُظن. فحين أعود بذاكرتي إلى أعوامي التي عشتها بلحظاتها الكثيرة التي لا أشعر أني أحصيها، أجد المسألة كأنني في متاهة، تماماً كما وجد كوبر في فيلم Interstellar نفسه وسط مكانٍ كأنّه مكتبةٌ قد حوت أصونةً رُصّت بالكتب والقماطر، وكانت هذه الكتب هي صورةٌ مصغّرةٌ عن زمانه الذي عاشه، وعن كل دقيقةٍ من دقائقه التي قضاها، وساعتها التي شهدها، وكيف كان بإمكانه التّنقّل بين اللّحظة وصاحبتها. أجدني في بعض أحياني كما شهد كوبر، إلا أنني أراني أتمايز عنه أنه شهد مشاهده كلّها على سعادتها وحزنها وفرحها وبأسها، أمّا أنا فأتصّورها على جوانبها السّعيدة فحسب. ولعلّني أوسط الأمور أن أسرد ثلّةً منها عليكم، فيترآى لكم الحكم، وحين أذكر أول ما أذكر لحظة مولد أخي عبد المجيد، وهو الذي يصغرني بستّة أعوام. إذ عشت وقتاً وحيداً لاختين وأبوين شعرتُ أنّه ربى على ستين عاماً، كنت دوماً حينها ينتابني الحزن والأسى لحظة رؤ...

اليوم الأوّل: أول خطوةٍ في أم القرى

صورة
الأمر كالخيال الذي تلحظه في حلمك، فتذكر شيئاً منه، وتغيب عنك أشياء. وليست المسألة هذه المرة في نسيان بعض هذه الخيالات، إنما في نسيان كثيرٍ منها، حتى أنّ بمقدوري القول بنسياني لذلك اليوم كله! والغرابة كل الغرابة تكمن في أن صاحبكم يتذكّر يوم مولد أخته التي تصغره بأربعة أعوامٍ بشيءٍ مذهلٍ من التّفاصيل الدّقيقة، أمّا هذا الحدث الذي شهده وهو بعمر ستّة أعوام فيكاد أن لا يذكر منه شيئاً البتّة. ولعلّي أرجع علّة ذلك إلى كم الخوف المُقلِق الذي تملّكه يوم أيقظته أمه عند السّادسة صباحاً ليستحمّ من فوره، وقد شعر حينه بنغزة في أحشائه، وشاء أن يوقف نفسه عند الخلاء سويعةً قبل الاستحمام، وقد خالط طول مكوثه فيه صيحةٌ من أمه تزجره على خوفه ومماطلته في المضيّ لتجهّزه ليومه الأول في السّجن، أقصد المدرسة، التي احتجز فيها على اختلاف أبنيتها وأمكنتها زهاء إثني عشر عاماً، قبل أن يفرج عنه إلى مصحّة إعادة التّأهيل التي تسمى الجامعة -تجوّزاً-. وكان أزْوَدَ المثقلات على نفسه برودة الماء، التي تشعر بسقعتها أن للمدرسة مُقدّماتٍ شتّى؛ غرّتها الاستحمام بالمياه الباردة! ثم يلحق ذلك نوعٌ من النّعيم المعجّل، ربّما كان ذل...