المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف خواطر سياسية

اليوم السّادس: الخطأ الذي لن أعاوده

صورة
  قد عرفتُ أن سقطة المرء في حفرةٍ إذ يسير، ليست بحجّةٍ عليه أنّه غير ذي كُفؤٍ للمهام الجسام، وانّ هنالك عللاً وأموراً تُفسّر تلكم السقطة، فلعلّ الإضاءة ليست بذلك القدر، فلم تتّضح الرؤية ولم تستقم، أو لربّما كان في عجلةٍ من أمره، أو نحو ذلك من الأمور التي تشغله عن إبصار ما هو حوله، أو سوء تقديرٍ بأنّ خطوته القادمة لم تكن لتجسو على الحفرة، وحسِبَ أنّه كان ليتخطّاها، أو لعلّ هنالك عارضاً ألم به، فهو حائلٌ بينه وبين النّجاة من تلك الحفرة. ولكنّها تبقى حفرةً على أيّة حال، فتُصيب منه لا ريب بعض الأذى والنّعرات، لكنها يسيرةٌ بقدرٍ معقول. وهنا ليس الخطأ في تقدير تلك الحفرة، ومن ثم السقوط فيها؛ إنما الوقوع مرّةً أخرى ذات الحفرة، والسّقوط فيها مراراً وتكراراً، دون جعل التجربة السابقة معياراً للتعلم والاعتبار.  فالخطأ الذي تعلمتُ منه كثيراً ليس بالضرورة الحتمية أن نسيّر معناه على أنه خطأٌ بالقدر الذي نجعله نكسةً أو هفوةً أو كبوةً؛ درساً يقتفي المرء آثاره وعلل وأسبابه ومضامنه التي وعاها، فإنّ الحياة تجاربٌ، منها ما تختبره النفس فتمضي في اجتيازها بتوخّيها، ومنها ما هو من تجارب الناس فيتحاذ...

اليوم الخامس: السكينة بين زوايا بيت الله

صورة
  علىٰ أنّ قيظ الصّيف حينها قد اشتدّ بشكله الاعتيادي في شهر تمّوز، والحرارة الَّتي لا يصمد معها المرء حيناً كثيراً في جلّ حاله، لاسيّما منتصف الظّهيرة، أو حتَّىٰ عند العصر، بل وعند المغرب والعشاء، أو لعلّ الطّقس لا يصفو للمرء في ذاك الشّهر إلَّا عند الفجر، تشعر أنّ نسمات الهواء حينها معوّضةً لك عن حرور اليوم واللّيل كلّه، وفي الحقيقة أن نسيم الصّيف أرقّ عندي من هواء الشّتاء، فأنت بالشّتاء طقسك كلّه هواءٌ ورياحٌ وبردٌ معتاد، ليس من شيءٍ جديد عليك حينها أن تلحظ ميزةً في هبة نسمة الهواء التي تحمل في طياتها البرودة الموجودة أساساً، أما في الصيف، فقد يترآىٰ لي ما ترآى للأعرابي الذي يعتمّ عمامته، مُرتدٍ عباءته، وقد اشتدّ عليه الحرّ، ثم أناخ راحلته، وعمّد عصاه، وأرخىٰ عليها العمامة، واستوسد العباءة، ومكث تحت ظلّها، فتسعفه النّسمات الرّائقة، والهواء العليل الذي يهبّ بين الفينة والأخرى، وسط هذه البيداء القاحلة. قد استطردت كعادتي، ولا أعلم متىٰ أراني أخلصَ من هٰذه العادة الكتابية، فقلمي إذا أرحته بالكتابة؛ يأبىٰ إلَّا أن يملي كلّ ما في النفس من ظلال المعاني الَّتي في تكنّها، على أن هذا هو ما...

اليوم الرابع: الشخص الذي غير مجرى حياتك

صورة
 أسرد لك الكثير منهم إن شئت أن أسرد، ممّن لقيت منهم في الشوارع والحارات، ومن حاورتهم بحديثٍ أخذ منّي شيئاً، واجتزأ من بعضي حالاً أزعم أنه بقي فيّ طويلاً. لكنّني أعلم علم اليقين ممّا وعيته في سنين عمري التي خلت، وممّا أمضيته بين ورقات الكتب، وفهمته من أقوال من سبقت فيهم التجارب، واختمرت في عقولهم الأفهام الجلية الوضّاحة: أن التأثير لا يُقاس بما يُحاط حول المادّيّات من شواغل الدنيا وصوارف النّفس، إنّما بما أُحدث في الروح من عوالق الإيمان، ومِن اشتعالها بحماسة الدين، ومحادثة النفس بالجهاد ونصرة الأمّة. وأنّ الدنيا إن طرقت بابك بكلّ متعها، وبزينتها التي أغوت الكثير والكثير من بني البشر، وحالت بيننا وبين التي عرضها السماوات والأرض، وأغوت من سعة باله من عرفنا، ومن زهدت نفسه بالأمور، ومن ظنّ بعلمه، وسعة فقهه قد نجى، ومن استأسد على الأمم بكلماته وحروفه، وزمجر بأعلى صوته، يخفق بارق وجهه حتى يُرى فيُشار له بالبنان، ثم حين يؤذّن داعي الجهاد وحيّ عليه يا عباد الله؛ نكص على عقبيه.. فكيف يؤثّر بالمرء شخصٌ ويغيّر مجرى حياته؟ حتى لكأنّه بدّاه على نفسه يقدّمه، ويعليه مكانةً حتى أنكر عليه أعزّ الناس...

طوفان الأقصىٰ: هل التاريخ مرآةٌ للحاضر؟

صورة
  حينما أُعلِنت انطلاق معركة طوفان الأقصىٰ المباركة، كنتُ مستقيظاً لتوي كعادتي لصلاة الفجر. وقد فتحت الهاتف علىٰ منصّة إكس لأرىٰ أمامي انطلاق المعركة برشقاتٍ صاروخيّة من قطاع غزّة تجاه مغتصبات الغلاف. قلتُ حينها أنَّها مجرد عمليّةٍ كباقي العمليّات الَّتي تحدث، ولن يطول أمرها إن طال إلَّا كما معركة سيف القدس. ثمَّ وإذ بنا نشهد معركةً طاحنةً خاطفة، أعادت للقضيّة مجدها الغابر، وذكّرتنا قليلاً بمعركة الكرامة، غير أنَّها أُتبعت بعد ردهةٍ بمجازر وتدمير كاملٍ وشاملٍ للقطاع. ومازلنا وقد توالت الأيام، حتَّىٰ طافت إلىٰ يومنا هذا حاجز ٤٦٦ يوماً، ولم يحرك أحدٌ ساكناً، واكتفت دول العالم بالقلق، وبعضها بالتّنديد، أمّا الشّرذمة السّاحقة من الغرب فأمالوا أعنقاهم مطيّةً للصّهاينة، وصاروا يتبارون في إعلان الطّاعة والخضوع، والانقياد التّام لمصالح عبدة العجول في يافا. فرأيتُني أعجبُ من حوادث متلاحقةٍ، يجرّ بعضها الآخر، ودار في مخيّلتي أنِّي رأيتُ هٰذه المشاهد مكتوبةً قبل حين.. فالأمداد تأتي من البحر، وعدوٌّ رابضٌ في السّاحل وبيت المقدس، وكيانٌ في القاهرة عميلٌ له علىٰ الجملة، ودولٌ ووممالك يخشىٰ الواح...

الثّقافة المعاصرة: داء الاستعلاء

صورة
  حقيقةً الأمر يختلف جوهرياً بين الكاتب في عصرنا وسمة الكاتب في العصور الغابرة، دعني أفرد لك مساحةً عزيزي القارئ في معنىٰ الثّقافة أولاً، ثم نعرّج رويداً رويداً إلىٰ الثّقافة المعاصرة ومقصودي بهٰذه الكلمة. إنّك إن تفتح المعجم تلقىٰ الثّقافة تعود إلىٰ أصلٍ ثلاثي (ث ق ف)، كما نلفيها في المعجم الوسيط، تُشير إلىٰ: ثَقِفَ ثقفاً: صَار حاذقاً فطناً، فَهُوَ ثقف، وثقف العلم والصّناعة: حذقهما، وثقفَ الرّجل في الحَرْب: أدركهُ، وَثقف الشَّيء: ظفر بِهِ، وَفِي التَّنزِيل العزِيز قال تعالىٰ: ﴿واقتلوهم حيثُ ثقفتموهم﴾، ومن ذلك: ثاقفه، مثاقفة، وثقافاً: خاصمه، ولاعبه إِظهَاراً للمهارة والحذق، و(ثقف) الشَّيء: أقامَ المعوج منهُ وسوّاه، وثقف الإنسَان: أدّبه، وهذّبه، وَعلّمه، و(تثاقفوا): ثاقف بعضهم بعضاً، و(تثقف) مُطاوع ثقفه، و(الثّقافة): الْعُلُوم والمعارف والفنون الَّتي يُطلب الحذق فيها. فنعرّفها علىٰ النّحو التّالي: أنَّها خليطٌ تراكمي من المعارف والعلوم، الَّتي تبحّر فيها المرء، بُغية التّأثير في مجتمعه وفي ذاته قبل ذلك. وهذا في عصرنا، أما في العصور الآفلة كان مفردة «الكاتب» شبيهةً بـ«المثقّف»، إذ ال...

أوَما تدري ما هي ثورتنا السُّوريَّة المباركة؟ ٢

صورة
  حين يكون سلاحك موجَّهٌ بادئ ذي بدءٍ نحو شعبك، فهٰذه أمارة خيانة، لا أعني بهٰذه الخيانة أنَّه تحالف مع عدوِّه (الأمريكي والصُّهيوني) لقتل شعبه، فهٰذه خيانةٌ لا ريب؛ غير أنَّني قصدتُ ذاك الَّذي ما قدر بسلاحه الَّذي كدَّسه أعواماً إلَّا علىٰ شعبه، أي خسر مراراً وتكراراً في كلِّ حربٍ دخلها، وكلِّ معركة شارك فيها، فليس له بعدها من بدٍّ سوىٰ توجيه سلاحه علىٰ مستضعفٍ ما وجد لنفسه حيلةٍ بغير سلاحٍ خفيفٍ، وهٰذا السِّلاح لا يكفي إلَّا لصيد طائرٍ في كبد السَّماء. فما هي أحداث حماة الَّتي تسامع بها البعض؟ والَّتي ما تسامع البعض الآخر بها لأنَّه شاء أن يضع قطناً علىٰ أذنيه فلا يقوم بهما بعد بعقلٍ أو رأي، فأصبح كالببَّغاء يردِّد ولا يفقه! كان منذ ظهور دعوة جماعة الإخوان المسلمين بقيادة الشَّيخ حسن البنا الضَّوء النَّاصع في جبين هٰذه الأمَّة، إذ قد توالت كتائبه نحو فلسطين، دفعةً إثر دفعة، حتَّىٰ علا صيت الجماعة في كلِّ ميادين المسلمين، فتجذَّرت في نفوس أهل الشَّام نحو الجهاد والإسلام، ما خرج من نفوس أهل مصر وجماعة الإخوان المسلمين، فانبرىٰ الشَّيخ مصطفىٰ السِّباعي لافتتاح فرعٍ للجماعة في سوريا....

أوَما تدري ما هي ثورتنا السُّوريَّة المباركة؟ ١

صورة
 كنتُ أتساءل في قديم عهدي، عن كيف ترىٰ بالنَّاس تسمع وتُنصتُ للدَّجال يقول: أنا ربُّكم. وهو أعور عينٍ، وممسوح الأخرىٰ، وقد حُفِر علىٰ جبينه (ك ف ر)، وقد علمنا في كتب الأثر عن صفاته هٰذه، نجدها ونعرفها، فلسنا جاهليها. ولا أحسبُ تلكم الكتب تنقضي في زمان الدَّجَّال، ستبقىٰ لا ريب، ورغم بقائها ذاك، ستجدُ أشذاذاً من البشر يتَّبعوه، منطاعين مطأطين، يأمرهم وينهاهم وهم له تُبَّع، يأمِّلهم بجنَّته وهي نارٌ فيدخلوها، وينذرهم بجهنَّمه وهي جنَّةٌ فيحذروها. نعم، كنتُ أفكِّرُ في هٰذه المسألة طوال عمري وسنيني الماضية، وكنتُ أروِّي فيها، فأجد أقرب التَّفاسير فيها، أن العلم ينقضي في ذٰلك الزَّمان الموحش المغبر، وأن صحائف المجلَّدات قد مُحيت، وصوان الكتبِ قد أُفنيت، فليس لواحدٍ منهم أيَّة معرفةٍ أو وعيٍ، يستنبطُ فيه حكماً يرشده إلىٰ ماهيَّة هٰذا الأعور الدَّجَّال. فينساقون لا ريب إليه مطمئني الخاطر، ولا يروعهم ادِّعاءه الألوهيَّة، قد استقرَّت في نفوسهم معجزاته، فلا يمارُّون في صحَّتها من عدمه، ولا صدقها من كذبه، إنَّما كأنَّهم انساقوا إليه بعامل سياسة القطيع، استجلب بعض أفذاذهم، فخادعهم عن عقولهم، و...

ألا تستحي أن تشمتَ بقاتل أخيكَ؟ سهلٌ جداً

صورة
سهلٌ جداً، أن أن تضع الحرب أوزارها، فتقول: لو كنتُ وكنتُ لفعلتُ وفعلتُ، وعملتُ وعملتُ، وحين تمرُّ العاصفة، فتُرعد علىٰ غيرك أن ما ثبت وما ركن، وتلوم من لم يستمسكَ بحجرٍ يسنده، وشجرةٍ يشتجرها، أو سياجٍ يمسكه، وهو الَّذي في بيداء لا عارض يحوطه، أو مانعٍ يلوذ به، سهلٌ جداً. وحين ينقضي سجالٌ بينك وخصمك، فينبري عليك شتماً وقذعاً، ويهزمكَ قولاً وفعلاً، ثم تؤوم إلىٰ فراشك تتخيَّل المشهد وقد أضفيتَ عليه كلاماً أعجبك لو قلته، وما تسنَّىٰ لك قوله، إذ أعوزتك البداهة أن تقول مقالتك، وأُنقصتَ حكمةً أن ما أسعفكَ عقلكَ في استدراك ما يُرجىٰ قوله، نعم سهلٌ جداً. سهلُ جداً أن يأتيكَ من يقول لك لا تشمت، وقد أُرديتَ علىٰ بطنك من عذابٍ مسَّكَ بيد طاغوتٍ، لا يفتأ يذكر حادثة يلطمُ عليها منذ ١٤ قرناً، يُحيلُ جسدك إلىٰ ازرقاقٍ كساه احمرار، واصفرار اعتراه اخضرار من تبعاتٍ سوطٍ أدمىٰ الجسد، وعصاً هشَّمت العضم، وسيفٍ علا عنق أخيكَ، يفصل الرَّأس عن الجسد، ويحيل قطعةً واحدةً إلىٰ قطعيتن، يتشفَّىٰ بمقتلتك. وتراه يرجو انتقاماً من شيخٍ عاجزٍ قضىٰ عمره بين ساقيات الأرض، وشُجيراتٍ يفلح ناحيتها. ومن امرأةٍ شاء أن يفضَّ ع...

تحليلات من سوق الجمعة

صورة
  «الإنسان عدوُّ ما يجهل»، وقد يرىٰ الواحد أمراً يهوله عجباً لغرابته وحداثته، فيكون أسرع إلىٰ إنكاره هرباً من تصديقه فتثبتَ عليه تهمة الجهالة إن ظهر سخفها. وكذا المرء في كلِّ ناحيةٍ من حياته في حكمه علىٰ المسائل، يميل إلىٰ تصديق الأقرب إلىٰ المنطق، دون إعطاء اعتبارٍ إلىٰ حقيقة الشيء من عدمه، ورُبَّما حمله ذاك التَّصديق علىٰ معاداة أيِّ حديثٍ، وإنكار أي مسألةٍ علىٰ الجملة. فحين مثلاً ظهرت الكهرباء في بلادنا سارع البعض إلىٰ وصمها بعمل الجان، وحين ظهرت آلة الطِّباعة، والسَّيَّارة وقبلها القطار، وكذا القُمرة¹، ومن ثمَّ الرَّاد، فالرَّائي²، فالانترنت، سارع الجميع حينها من بعض مشايخ والخواص والعوام إلىٰ إنكارها، بل وجعلها محرَّمةً= وما ذاك إلَّا أن استسهلوا الحكم عليها بالنَّفي، لا أن يتكلَّفوا عناء البحث والرَّويَّة، فيحكموا عليها وفق مقتضىٰ الحاجة، وبعد الإلمام بكل نواحيها؛ فيرون محاسنها ومساويها، وفضائلها وشرورها، ثمَّ يستقرُّون علىٰ المذهب الملائم لحاجة النَّاس، ويُبيِّنوا كيف تحل وكيف تُحرَّم. فلا تعجب إن ظهر كذٰلك من يُحرِّم الذَّكاء الإصطناعي، ومن تحريم الاستنساخ علىٰ الجملة، وغير...

لعلَّك قنطتَ من حال الأُمَّة، فهلَّا أنصتَّ؟

صورة
  اقترب الجيش من مشارع دمشق، وهاج النَّاس يفرُّون من أرض الشَّام، وصوبهم كان حتفهم؛ فإمَّا ضياعٌ في أرض سيناء، وإمَّا مكوثٌ فمقتلةٌ بيد المغول، والنَّاس بين الأمرَين في أمرَّين! لحىٰ الله الإسلام، هل يفنىٰ علىٰ يد هٰذا الصِّنف من البشر، أولاد عمومة يأجوج ومأجوج! أو رُبَّما كانوا هم يأجوج ومأجوج بذاتهم، فلا يُخيَّل إلىٰ النَّاظر لأفعالهم إلَّا ما ورد عن شدَّتهم وبأسهم! فمن للشَّام إذ تُؤخَذ؟ ومن للعراق إذ أُخِذت؟ وقبل ذاك فارسُ وخرسان! هٰذه دولة بني العبَّاس قد أُبيدت، وما بقي من خلفهم رجلٌ تؤول إليه عهد الخلافة، وهٰذه أرض السَّلاجقة قد صار سلاطينها العظام رُعاةً لخيول التَّتار، وأيَّام خوارزم، ولو ذكرنا خوارزم وما آل إليها بآخر سلاطينهم جلال الدِّين، إذ نُبِذ في جزيرةٍ في قزوين، أو رُبَّما قد صار إلىٰ حتفه فإمَّا دعساً تحت حوافر البغال كالمستعصم بالله العبَّاسي، أو جوعاً وحرماناً! فيا للزَّمان ونوائبه، ويا للدهر ومصائبه، يا للدُّنيا وصروفها، وياللأيَّام وحتوفها. وقد تسامع النَّاس بأولٰئك الصِّبية من مماليك بني أيوب، وقد تصاعدوا في الرُّتب، وعلوا في المناصب، واستوزروا الخُطب، واستأث...

جنَّة الله أم جنَّة الثَّورجيَّة والمحورجيَّة؟

صورة
  ما رأينا خبر نعي الشَّهيد بإذن الله أبو العبد إسماعيل هنيَّة رحمه الله، حتَّىٰ توالت كتاباتٌ وتغريداتٌ ومنشوراتٌ متعارضة الرَّأي، متضادَّة الفكر علىٰ سائر مواقع التَّواصل الاجتماعي، انقسم النَّاس قسمين؛ فمنهم من غلا وأفرط بوصفه له: سيُّد الشُّهداء، وجعله في مقام الصَّحابة والأولياء، وجماعةٌ فرَّطوا في لومه لبعض مواقف جماعته -حركة حماس- السِّياسيَّة، المخالفة للحقِّ، البعيدة عن الشَّرع. والنَّاظرُ بعين الدِّين والشَّريعة ما إن يرقُب الوضع حتَّىٰ يرىٰ أنَّ هٰذا ليس من عمل الدِّين قطعاً، وليس لهم من اسمه إلَّا الشَّكل لا المضمون. رأسُ هٰاتان الجماعتان: المحسوبين علىٰ القضيَّة الفلسطينيَّة والإخوان المسلمين من جهة، والمحسوبين علىٰ الثَّورة السِّوريَّة والمداخلة من جهةٍ أُخرىٰ. وهؤلاء أفرطوا في بيان مسألتهم، وتشدَّدوا في حكمهم، وغالا كلٌّ باستخدام الدِّين يُعضِّدُ به رأيه، ويُسند به حكمه، وهو أبعد النَّاس عن فهم مقاصد الدِّين، وعقل القياس والحكم علىٰ المسائل. ولا أدَّعي معاذ الله الفهم الصَّحيح وغيري الخاطئ، إنَّما الحقُّ بيِّن، والباطل أبيَن، فإنَّك إن لم تجد طريقك إلىٰ الحقِّ فتتَّب...

الحضارة الغربيَّة؛ جوفٌ خاوٍ

صورة
هٰذا عصر اضمِحال الديموقراطيَّة، وانتفاء اللِّيبراليَّة، والفردانيَّة الَّتي سيطرت حيناً في الغرب.. ومازلتُ أعجبُ ممَّن بقي علىٰ ولعه بنظام الغرب في الحكم، وذاك التَّمسُّك الشَّديد بمظاهر الحُرِّيَّات المزعومة، وهٰذه البهرجة الإعلاميَّة في تزييف انتخاباتٍ ظاهرها العدالة والحقُّ وحرِّيَّة الاختيار، وباطنها الظُّلم والباطل والاجبار! فلَكُم أن تُلقوا نظرةً علىٰ نظام الانتخابات في الولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة في اختيار رئيسٍ للدَّولة، كيف صنعوا من ذلك انتخاباتٍ أقرب للصِّوريَّة منها إلىٰ الحقيقة. وكيف تُبصِر رأسين متنافسين علىٰ منصب الرِّئاسة يتحدَّىٰ الأول نظيره من هو أقربُ للتَّصهين من صاحبه، وذلك بدلاً من إبراز حلولٍ للمعضلات الَّتي تعصف ببلادهم!  أعني برغم كلٍّ تلكم المظاهرات الَّتي خرجت في الولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة وجامعاتها؛ طلَّاباً وأكاديميِّين، وكذلك نظيراتها في الدُّول الأوروبِّيَّة تنديداً بالمجازر الصُّهيونيَّة والمطالبة بوقف إطلاق النَّار؛ لازلنا نرىٰ الدَّعم المُستميت من حكومات تلك الدُّول للصَّهاينة! فمر سرُّ هٰذا الشَّكل الغريب من الحكم؟ فإن كانت تلكم الجماهير ...

خاتمة الغربنة

صورة
  دنت آجالنا، وتدنّت أحوالنا، وساء بنا الزمان، وحذا حذوه منذ القدم أن اضطهدنا، وصرنا حفاةً عراةً مشرذمين، لا يبلغ شريفنا من الأمم قدر وضيعهم، وليس لوضيعنا قدراً إلا كقدر البهائم، ورخصت دماؤنا، وقلّ ثمنها، وزهدت قيمتها، فصارت أسيالاً وأنهراً، وصار في يومٍ يحدث أن تعلم مقتل ٤٠٠ شهيدٍ، ومرّةً ٥٠٠ أو ٦٠٠ أو ٨٠٠ أو حتىٰ ألف شهيد.. ليس هذا مستغربٌ عند أحد، وما عادت تلك المجازر تزع في أنفسنا حزناً فضلاً عن الأمم الأخرىٰ. وما تسكن خواطرنا إلا بفيض من دماء العدو، يُسكن ذاك الدم آلامنا، ويُضمّد جراحنا، ويبعث علىٰ قلوبنا من البرد الذي نذوق به طعماً من مذاق الجنّة. أترىٰ تلكم الجراح الحارقة، وتلك الهموم المثقلة، وعذابتنا تلك التي تبارحنا، التي التصقت فينا بأشدّ من الوريد إلىٰ الشريان.. لطالماً جعلت استبصر الأمر منها، واقتفي تلك الحكمة الربانية، إذ وإن الله ﷻ مقتدرٌ علىٰ عباده، لا تغيب عنه خافيةٌ ولا شاردةٌ، يدبّر الأمر، ويقدّر القدر، يعلم ما يكون، وما لن يكون، وما هو كائن، وما كان سيكون لو كان؛ فكيف لا تكون هناك حكمةٌ، نهتدي بها سبلنا، ونعلم بتجلّيها بحقٍّ بوحدانية الله وعلمه الذي لا يحصىٰ....

غزّة بالعين المهملة

صورة
وقد حدّث البعض نفسه، إذ نظر إلىٰ كل تلك التضحيات التي قُدّمت، وكل تلك البلايا التي قد عمّت البلاد، وأهلكت العباد، وساءت النفس لما احتملت من مشقّة الصبر، وإن الجلادة كادت لتفنىٰ من أفئدة الأنام، وما عاد في النفس إلا تلكم الأنفاس، التي غدت بين شهيقٍ وزفير، وتلك الدماء التي ما إن تخرج من بين شرايين القلب حتىٰ تصل إلىٰ سائر الجسد، فيتغيّر اللون؛ مصفرّاً مرّةً، ومحمرّاً أخرىٰ، ومزرقّاً طوراً ثالثاً. علىٰ إن كنت لست في تلك البقعة الكائنة في أقصىٰ جنوب بلاد الشام، وأدنىٰ الحجارة إلىٰ الديار المصرية، وأعلىٰ سنام الديار الحجازية، المحصورة المخنوقة من اتجاهاتها الأربع -إلا ما علاها وما دناها-، في ٣٦٠ كيلومتراً مربعاً= فلربما بقيت دماؤك بين جنبيك وعضديك، ما خرجت إلا النزر اليسير. فإن كنت في تلك الأرض لنُثر دمك فيُغطي ذاك الفضاء الشاسع، ويخرج عبقه فيملأ الأرض ريحاً من روائح الجنة، والأرض حينها بين شعورين؛ فهي كارهةٌ للدم الحرام المسفوك، وهي في سعدٍ أن تجلّت لها دماء الشهيد، ومن ثم فتحت فاهها لتحفظه في طياتها، وتدرأ عنه الأخطار.. حتىٰ يبعث يوم القيامة علىٰ حاله ذاك، ليكون لسان حاله أصدق من لسان مقا...