المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف في الأخلاق السياسية

خاتمة الغربنة

صورة
  دنت آجالنا، وتدنّت أحوالنا، وساء بنا الزمان، وحذا حذوه منذ القدم أن اضطهدنا، وصرنا حفاةً عراةً مشرذمين، لا يبلغ شريفنا من الأمم قدر وضيعهم، وليس لوضيعنا قدراً إلا كقدر البهائم، ورخصت دماؤنا، وقلّ ثمنها، وزهدت قيمتها، فصارت أسيالاً وأنهراً، وصار في يومٍ يحدث أن تعلم مقتل ٤٠٠ شهيدٍ، ومرّةً ٥٠٠ أو ٦٠٠ أو ٨٠٠ أو حتىٰ ألف شهيد.. ليس هذا مستغربٌ عند أحد، وما عادت تلك المجازر تزع في أنفسنا حزناً فضلاً عن الأمم الأخرىٰ. وما تسكن خواطرنا إلا بفيض من دماء العدو، يُسكن ذاك الدم آلامنا، ويُضمّد جراحنا، ويبعث علىٰ قلوبنا من البرد الذي نذوق به طعماً من مذاق الجنّة. أترىٰ تلكم الجراح الحارقة، وتلك الهموم المثقلة، وعذابتنا تلك التي تبارحنا، التي التصقت فينا بأشدّ من الوريد إلىٰ الشريان.. لطالماً جعلت استبصر الأمر منها، واقتفي تلك الحكمة الربانية، إذ وإن الله ﷻ مقتدرٌ علىٰ عباده، لا تغيب عنه خافيةٌ ولا شاردةٌ، يدبّر الأمر، ويقدّر القدر، يعلم ما يكون، وما لن يكون، وما هو كائن، وما كان سيكون لو كان؛ فكيف لا تكون هناك حكمةٌ، نهتدي بها سبلنا، ونعلم بتجلّيها بحقٍّ بوحدانية الله وعلمه الذي لا يحصىٰ....

جاهلٌ غرّهُ جهلُه

صورة
ما أضرّ الناسِ الجاهلُ الذي يعلمُ جهله، ولا العالم الذي غرّه علمه، ولا المرء الذي خو علىٰ الأعراف بينهما، إنما أشدّ الناس ضرراً، وأعتاهم أثراً؛ ذاك الجاهل الذي حسب نفسه أعلم الناس. وأشدّ منه من غرّه جهله حتىٰ صار مستمسكاً برأيه، معرضاً عن مشورة غيره، غير آبهٍ لنصحهِم، ولا مُعطياً لفكرهِم نظراً، ولا لقولهِم سمعاً. وتراه فوق ذلك ينافح عن جهله ذاك الذي حسبه علماً بل ويُسّفه من قول ناصحهِ، ويصغّر من كلامهِ، ويستخّف بأحاديثهِ. ويجالدُ عن ما يقول وكأنّه حقيقةٌ مثبتةٌ، وآيةً منزلةٌ. فكأنّه قولٌ لا يشوبه شكٌّ، ولا يحوبه ظنّ، ومن اشتبه به؛ فقد اقترف إثماً مبيناً، وأتىٰ بأمر جللٍ، وفعل زللٍ. وإنما المرء من علِم أن فوق كل ذي علمٍ عليم، وكل ذي حكم حكيم، ومن لم يسمع لغيره؛ فقد أتىٰ بقاصمة ظهره، ألم تسمع قول الله ﷻ علىٰ لسان فرعون: ﴿ما أُريكُم إلا ما أرىٰ وما أهديكُم إلا سبيل الرشاد﴾. فكيف شاءت أقدار ربي أن يكون رأيه ذاك وبالاً عليه، بل وبالاً علىٰ آله كلهم: ﴿أدخلوا آل فرعونَ أشدّ العذاب﴾؛ وما ذاك إلا أنهم رضوا بالجاهل أن يُسمعهم جهله، فأمّروه عليهم، وسمعوا له وأطاعوا= فعقوبوا بما جنوه علىٰ أنفسهم. ...

نظرةٌ علىٰ رواية المحاكمة لفرانز كافكا

صورة
  تعلو علىٰ وجهه أمارات الذهول، لا لعظمة الرواية فحسب -وإن كان فيها من العظمة ما يُنصف المرء به-؛ إنما لتلكم الجلبةَ والفوضىٰ التي جرّتها الأحداث. هي حقّاً كما قيل في صاحبها رائد العبثية في زمانه، ولا يكذب المرء إن قال في كل زمانٍ ومكان. " تشعر أن كافكا في روايتيه المسخ والمحاكمة يُعرّض بمؤسستين كلتاهما غامضة التوجّه، مُبهمة الغاية، متناقضة الرؤية حول واقع الفرد، ووعيه بذاته وبمن حوله: الأسرةُ والدولة." منذ أول لحظةٍ يستيقظ فيها ‹جوزيف ك›، ويلقىٰ فيها جثتين، جاحظةً أبصارهما نحوه، يخبرانه بوجوب مثوله أمام المحكمة؛ دون بيان موقع المحكمة وتاريخ المحاكمة. وإيذانه بأنه متهمٌ؛ ودون بيان التهمة. تاركينه في مكانه بدلاً من اقتياده إلىٰ السجن؛ ودون بيان علّة تركه. ثم إشارتهم إليه بالتجهز للدفاع عن نفسه؛ وكما في كل قولةٍ: دون بيان  عما يدفع عن نفسه به. "هل كان كافكا في روايته المُحاكمة، حينما غيّب عنّا علّة تلك المحاكمة، وفحوىٰ تلكم القضية يومئُ إلىٰ أن غاية الحياة غير معلومةٍ (باعتقادهم الغربيّ طبعاً)؟ أم أن تسلّط الحكومات علىٰ رعاياها مجهولُ السبب؟ وأراني أميلُ إلىٰ فكرة جهلِ الم...

المَنَعَة، وحفظِ الجوار

صورة
  لكَ أن تختلف مع طالبان، فهم ليسوا أنبياءً معصومين، ولا صحابةً مُهتدين، ولا يكنوا إلي بصلة قرابةٍ فأنافح عنهم لذاك حميّةً للعصبيّة، وما هم بذي فضلٍ عليّ فأذُبّ عنهم سهام النقد= والكل تحت النقد. ولستُ وإياهم علىٰ عقيدةٍ واحدةٍ؛ فهم ماتُريديّة الإعتقاد، متصوّفة المشرب، حنفيّة المذهب. وأنا علىٰ مذهب الإمام أحمد، وعقيدةِ السلف الصالح رضوان الله عليهم. ولست لعمرك ممن يغلون في الحب والكره علىٰ حدٍّ سواء، فأستفيظ في ذكر المحاسن في الأولىٰ حدّ الغلو، وأسرد في الثانية المساوي بطغيانٍ وتطرف. وما أنا كما قال الشاعر: وعين الرضىٰ عن كل عيبٍ كليلةٍ كما أن عين السُخطِ تُبدي المساوي إنما أنا بين البينين، وفي أوسط الأوسطين. قال ربي ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ علىٰ أنّك تلحظُ فيهم -أي طالبان- شيئاً من خُلُق العرب: وهو حفظ الجوار. وربي إني لمُقدِّسٌ لتلك الصفة أبما تقديس: حفظ الج...