خاتمة الغربنة
دنت آجالنا، وتدنّت أحوالنا، وساء بنا الزمان، وحذا حذوه منذ القدم أن اضطهدنا، وصرنا حفاةً عراةً مشرذمين، لا يبلغ شريفنا من الأمم قدر وضيعهم، وليس لوضيعنا قدراً إلا كقدر البهائم، ورخصت دماؤنا، وقلّ ثمنها، وزهدت قيمتها، فصارت أسيالاً وأنهراً، وصار في يومٍ يحدث أن تعلم مقتل ٤٠٠ شهيدٍ، ومرّةً ٥٠٠ أو ٦٠٠ أو ٨٠٠ أو حتىٰ ألف شهيد.. ليس هذا مستغربٌ عند أحد، وما عادت تلك المجازر تزع في أنفسنا حزناً فضلاً عن الأمم الأخرىٰ. وما تسكن خواطرنا إلا بفيض من دماء العدو، يُسكن ذاك الدم آلامنا، ويُضمّد جراحنا، ويبعث علىٰ قلوبنا من البرد الذي نذوق به طعماً من مذاق الجنّة. أترىٰ تلكم الجراح الحارقة، وتلك الهموم المثقلة، وعذابتنا تلك التي تبارحنا، التي التصقت فينا بأشدّ من الوريد إلىٰ الشريان.. لطالماً جعلت استبصر الأمر منها، واقتفي تلك الحكمة الربانية، إذ وإن الله ﷻ مقتدرٌ علىٰ عباده، لا تغيب عنه خافيةٌ ولا شاردةٌ، يدبّر الأمر، ويقدّر القدر، يعلم ما يكون، وما لن يكون، وما هو كائن، وما كان سيكون لو كان؛ فكيف لا تكون هناك حكمةٌ، نهتدي بها سبلنا، ونعلم بتجلّيها بحقٍّ بوحدانية الله وعلمه الذي لا يحصىٰ....