المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف أنا مُحمّد

اليوم العاشر: نقطة تحوّل

صورة
عيش المرء أكثر سلاسةً واعتياداً من أن يقدم علىٰ شيءٍ يخالف الدّعة الَّتي هو فيها، فالنفس ميالةٌ للاستغراق بالسكون، وعيشها التي تهواه لا يكون إلَّا في منطقة الراحة. وهدوء البال والخاطر مقدّمان علىٰ اجتلاب عظام الأمور الَّتي لا تكون إلَّا بالجسام منها. وقد يتغاضىٰ المرء عن بعض ميزات ذلك الإقدام مقابل أن يستكين ويرتاح. وحين يهمّ بصنع شيءٍ يكون ذا أثرٍ ونفعٍ عليه وعلىٰ من حوله، ينتظر اللحظة المناسبة، وتلكم اللحظة لعمري لا يهتدي لها المرء في عادة الأمر إليها، بل تراه يغفل عنها، كأن تقول وأنت في الساعة 11:52 دقيقة: سأدرس للامتحان عند الساعة 12. فتنتظر الساعة 12 عوضاً أن تشرع في خلق اللحظة المناسبة بنفسك، ففارق الثمان دقائق الَّتي بينك وبين الثانية عشرة لربما عَنَتْ شيئاً ذا حجمٍ شاسعٍ بمرور الزمن إن جمعتها وغيرها من لمم الدقائق. ولعلّ النفس وإذ تحبّ الدعة كما أسلفنا، تختلق لنفسها المعاذير والأسباب، وتدافع عن قيامها بالحجج المتوفرة، فلعلً الوقت يكون أول الأسباب، أو حاجتها إلىٰ الطعام أو الشراب، أو أنّ المكان غير مناسب، أو أنّ الزمن بذاته ما زال فائضاً فترجّح أن تبدأ الغد. وهذا التسويف لعمري م...

اليوم التّاسع: صديقي الذي ما خذلني

صورة
لعلّه من المضحك بعض الشيء حين أعنون الخاطرة بهذا الشكل، ثم يتبادر إلى الذهن أنني سأتحدّث عن شخصٍ بعينه، وألقي عليه عبارات الامتنان والتبجيل على ما أثّر فيّ، فإذا بي أقصد بالصديق الكتاب. بهذا أقتدي لربما بقول المتنبي: وخير صديقٍ في الأنام كتاب إذ أني تفكّرت بكل شخص أطلقتُ عليه يوماً ما مفردة صديق، أو مشتقّاتها من البتروصديقيّات والأصحاب والرفقاء التشاركيّين والمكافحين، وبكل تفصيلةٍ عشتها معهم، بكافة المتع والمغامرات التي قضيناها، وبكل المعاني التي وجدتها في نفسي بقربي معهم، وبما أحرزوه في داخلي، بخيره وشره، سيّئه وحسنه، منافعه ومضارّه، وبما أورثوه في من عاداتٍ ومعايشاتٍ زرعوها في طبعي وفي جبلّتي، وبالأخلاق التي وطّنوني على بعضها، وصرفوا منها شيئاً، تفكّرت في كل ذلك؛ فرأيت ما منهم من أحدٍ بلغ مني مبلغاً أشهد له بعظيم الأثر، وجزيل الأمارات. وقد يزعم قائلٌ أنّ هذا على سبيل الكِبر واغترار النفس ببعض ما وهبه الله، وأنّ التواضع الذي يدّعيه فيه نظرٌ لا يغفله عاقلٌ متبصّرٌ فطن، وأن من التّخلّق الحسن ممّا شهدنا عليه في أخبار من سبق من الأسلاف العظام أن يعرف المرء لغيره حقّه. وهذا لعمري صوابٌ لا ...

اليوم السّابع: إنجازٌ أفاخرُ به

صورة
  لا أرتضي لنفسي دوماً أن أكون بين ثنائيّة التّخيير، أو ربط النتيجة بعلّةٍ واحد وسببٍ أوحد، أو الاكتفاء برقمٍ واحدٍ دوناً عن غيره بالفخر والاعتزاز، أو أن أرجّح طرفاً علىٰ آخر في ميدان المغالبة والمناكفة، أشعر أن تحديد النفس بقوالبٍ من الأسئلة والخيارات معيقٌ لها عن رأيها الحقيقي صرفةً. فحين تريد منّي أن أختار بين الشاي والقهوة، فأنت تدفعني لاختيار ما لا أرغب فيه، إلىٰ ما ترغب أنت فيه، فلربما رغبتُ بالحليب، أو العصير، أو نحو ذلك من المشروبات، أو حتَّىٰ رُبَّما لم أرغب بشي سوىٰ الماء. وحين تسألني عن سقوط الدولة العثمانية، وتتنظر مني أن أقول لك سبب ذلك هي الثورة العربية الكبرىٰ، متناسياً العصيانات الكثيرة الَّتي نتجت عن صعود الخطابات القومية بين الأقليات العرقية والطّائفيّة والمذهبيّة في أصقاع الامبراطوريّة، وغلبة الديون الَّتي أثقلت أحمال الدولة، وتكالب الدول الغربية عليها، واستشراء الفساد في مفاصلها، وعكوم الجهل، وكثرة الاستبداد، والمركزية المترهّلة، والبيروقراطيّة السارية بين موظّفي الدولة، وتقاعس الولاة عن ضبط الأقاليم بسعة الصدر، واستنكاف الجيش عن خدمة بلده ساعياً إلىٰ انضمام بعض...

اليوم الخامس: السكينة بين زوايا بيت الله

صورة
  علىٰ أنّ قيظ الصّيف حينها قد اشتدّ بشكله الاعتيادي في شهر تمّوز، والحرارة الَّتي لا يصمد معها المرء حيناً كثيراً في جلّ حاله، لاسيّما منتصف الظّهيرة، أو حتَّىٰ عند العصر، بل وعند المغرب والعشاء، أو لعلّ الطّقس لا يصفو للمرء في ذاك الشّهر إلَّا عند الفجر، تشعر أنّ نسمات الهواء حينها معوّضةً لك عن حرور اليوم واللّيل كلّه، وفي الحقيقة أن نسيم الصّيف أرقّ عندي من هواء الشّتاء، فأنت بالشّتاء طقسك كلّه هواءٌ ورياحٌ وبردٌ معتاد، ليس من شيءٍ جديد عليك حينها أن تلحظ ميزةً في هبة نسمة الهواء التي تحمل في طياتها البرودة الموجودة أساساً، أما في الصيف، فقد يترآىٰ لي ما ترآى للأعرابي الذي يعتمّ عمامته، مُرتدٍ عباءته، وقد اشتدّ عليه الحرّ، ثم أناخ راحلته، وعمّد عصاه، وأرخىٰ عليها العمامة، واستوسد العباءة، ومكث تحت ظلّها، فتسعفه النّسمات الرّائقة، والهواء العليل الذي يهبّ بين الفينة والأخرى، وسط هذه البيداء القاحلة. قد استطردت كعادتي، ولا أعلم متىٰ أراني أخلصَ من هٰذه العادة الكتابية، فقلمي إذا أرحته بالكتابة؛ يأبىٰ إلَّا أن يملي كلّ ما في النفس من ظلال المعاني الَّتي في تكنّها، على أن هذا هو ما...

اليوم الثّالث: أصعب قرار اتّخذتُه

صورة
  الأمر أحبّ تعريفه علىٰ نحو ما أجده في كتب الأدب، وفي الواقع، إذ إنّي مولعٌ بالكتب والقراءة، أجدني ميّال أكثر إلىٰ بيان أيّ حالٍ في نفسي من جانب الأدب وآثار العرب علىٰ وجه التّحديد. وممّا وعيته فيها: الأمر أشبه بأن تكون بين خيارين أحلاهما مر. لكنّك تمضي فيه علىٰ أيّة حال. فلستَ مخيّراً في ترك الأمرّين، وأنت محكومٌ علىٰ التّرجيح بينهما وفق مقتضيات الحال، وحساب عوامل النّفع فيها والضّرر، ولعلّ بعض الضّرر الّذي تظنّه مفتاح باطنه خيرٌ تجهله، والأيّام كفيلةٌ ببيان ذلك وإجلائه: ستبدي لك الأيّام ما كنتَ جاهلاً وتأتيك بالأخبارِ من لم تزوّدِ وقد تذكّرتني يوم رماني الدّهر بالأرزاء، وخيّرت غير مُتركِ بين اغترابٍ فيها من لوعة فراق الأهل، والبُعد عن الأم والأب، والأخت والأخ، وتحمّل مضّان الحياة بعيشة الأعزب الَّذي لا أهل له، إذ كأنّك قد استخلصت زرعةً من أرضها، واشتللت جدورها من ترابها، وأنا الَّذي عشتُ دوماً تحت كنفي والداي، فما أستفيق إلَّا علىٰ صوت أحدهما يوقظانني للفجر وللمدرسة أو العمل، ولا أعود إلَّا وقد رأيتُ الطّعام علىٰ السّفرة قد أنضجته أمّي بما تصنعه من غذاءٍ ما تدري أهو للعين أشبع أ...

اليوم الأوّل: أول خطوةٍ في أم القرى

صورة
الأمر كالخيال الذي تلحظه في حلمك، فتذكر شيئاً منه، وتغيب عنك أشياء. وليست المسألة هذه المرة في نسيان بعض هذه الخيالات، إنما في نسيان كثيرٍ منها، حتى أنّ بمقدوري القول بنسياني لذلك اليوم كله! والغرابة كل الغرابة تكمن في أن صاحبكم يتذكّر يوم مولد أخته التي تصغره بأربعة أعوامٍ بشيءٍ مذهلٍ من التّفاصيل الدّقيقة، أمّا هذا الحدث الذي شهده وهو بعمر ستّة أعوام فيكاد أن لا يذكر منه شيئاً البتّة. ولعلّي أرجع علّة ذلك إلى كم الخوف المُقلِق الذي تملّكه يوم أيقظته أمه عند السّادسة صباحاً ليستحمّ من فوره، وقد شعر حينه بنغزة في أحشائه، وشاء أن يوقف نفسه عند الخلاء سويعةً قبل الاستحمام، وقد خالط طول مكوثه فيه صيحةٌ من أمه تزجره على خوفه ومماطلته في المضيّ لتجهّزه ليومه الأول في السّجن، أقصد المدرسة، التي احتجز فيها على اختلاف أبنيتها وأمكنتها زهاء إثني عشر عاماً، قبل أن يفرج عنه إلى مصحّة إعادة التّأهيل التي تسمى الجامعة -تجوّزاً-. وكان أزْوَدَ المثقلات على نفسه برودة الماء، التي تشعر بسقعتها أن للمدرسة مُقدّماتٍ شتّى؛ غرّتها الاستحمام بالمياه الباردة! ثم يلحق ذلك نوعٌ من النّعيم المعجّل، ربّما كان ذل...

أحاديثٌ غير مهمَّةٍ عن صاحبكم هٰذا ١

صورة
  لستُ هاهنا أحدُّثكِ عن شيءٍ من السِّياسة، ولا عن بعض أمور اللُّغة والبيان، ولا عن فتاتٍ من التَّاريخ، ولستُ كذلك في موضعٍ أهمُّ به بالتَّفلسُف عليكِ، ولا أرصُّ عندكِ الكلمات تحذو الكلمات، والمفردات تتلو بعضها، لا أصيغها لكِ علىٰ قالبٍ أُشبِّهُ نفسي إذ أنحتهُ بكُتَّابنا القُدامىٰ، وأدبائنا الأسلفين. ولستُ الآن لأضع أمامكِ عباراتٍ أسوِّد ورقها لأجعلها مثلاً وعبرةً، وما أنا في آنكِ هٰذه لأبرهن علىٰ حسنِ تعبيري، ولا جميل بياني، ولا بلاغة قولي، ولا حتَّىٰ ثقافةٍ قيل أنِّي أمتلك ناصيتها، إنَّما ذكرتُ منذ حينٍ شيئاً عالقٌ فيَّ رغم غربتي الطويلة هٰذه أحببتُ أن أسردها عليكِ، فهلَّا أنصتِّ؟ منذ مطلع مقدمي إلىٰ تركيا، بعيداً عن أهلي، كان لم يزل فيَّ أثرٌ من ذلك الاعتياد علىٰ رتابةٍ متأصِّلةٍ في حياتي عند أسرتي، أنَّ أفعالي وأقوالي محسوبةٌ بالملِّي، وأنا غدُوِّي ورواحي معدودٌ، وموزونٌ بطريقةٍ أو بأخرىٰ، وأنَّ فعائلي وصنائعي معلومةٌ غير مجهولةٍ عند الجميع، وأنَّ الخصوصيَّة هنالك ترفٌ، وأنَّ الاشتراكية هي أساس البيت حينها، والشِّيوعيَّة محور ذاتها، وعنوان مسكنها، وأنَّ الرَّأسماليَّة هنالك مُع...

حديثُ روحٍ عن قرَّة العين

صورة
  تدقُّ السَّاعة الرَّابعة، معلنةً دخول وقت العصر، يشرع المؤذِّن في أذانه، ويمضي الوقت قريباً. عشرون دقيقةً ثم يعود ليقيم الصَّلاة، وقبل أن يُتمَّ نصف أذان الإقامة، أكون قد قُمتُ لحظتئذٍ إلىٰ الجامع، أهمُّ بفتح الباب، فيتناهىٰ إلىٰ مسامعي قول أبي من ورائي: يلا (بتفخيم اللَّام) أنت وإياه عالصَّلاة! أردُّ: يابا أني راحي للصَّلاة أساساً، هل لازم عليك قولها رغم فتحي الباب؟ لَكَم كنتُ أكره تلك اللَّحظة حينها، تكرار تلك الكلمة: يلا عالصَّلاة، حتَّىٰ ولو كنتَ ذاهباً إلىٰ الصَّلاة، يُقال لك: يلَّا عالصَّلاة! حتَّىٰ لو كنتَ أساساً في الجامع تصلِّي يُقال لك: يلَّا عالصَّلاة! حتَّىٰ لو كنتَ إمام الجماعة حتَّىٰ، يُقال لكَ: يلَّا عالصَّلاة! يلَّا عالصَّلاة أوَّلاً وثانياً وثالثاً ورابعاً وأخيراً. وقد كنتُ حينها بعقلي الطُّفولي أروِّي الأمر في داخلي، فأقول: لا ريب أن أبي لا يأمرني بالصَّلاة إلَّا لِما لها من الأمر العظيم، والمكانة الرَّفيعة، وما في تركها من إثمٍ أعظم، وذنبٍ لا يُغتفر، ولٰكن كيف تُرانب أفعل وأنا الآن أذهب إلىٰ الجامع مُكرهاً، وأصلِّي مكرهاً، فأسهو في صلاتي عن الخشوع إلىٰ تذكُّر أ...

حفظتُ شيئاً وغابت عنِّي أشياءُ.. أشياءُ جمَّة

صورة
هل كنت أحسبُني منذ آخر مساءٍ في شهر كانون الأول من عام ٢٠١٩م سأجِدُّ في علياء العلم بعد أن جعلتُ لنفسي منهجاً أقوِّمُ به نفسي في القراءة والاطِّلاع والنَّهم من الكتب والعلم، فأفرغ من وعثاء الدُّنيا ومُتعِها، وأركنُ إلىٰ مجدِها وسناها، حتىٰ يأتي يومٌ أُسْأَلُ فيه أسئلةٍ في شتّىٰ المجالات، من أناسٍ حولي أطنبوا في مدحي، جاوزوا فيه الحدَّ إلىٰ ما بعده، فأطروني، وأعلوني عن مقامي الأسفل، إلىٰ شأوٍ لستُ له أهلٌ. وحتىٰ لو كنتُ كما زعموا -وما أنا حريٌّ بما زعموا ولا صاحب، وأنا من أنا من النَّقص في العلم مقاساً- فلا أراني فيه كلَّما اكتلتُ منه زيادةً إلّا وجدتني حيراناً لنقصانه. فكأن كيسي الذي أتعلَّم منه مخروقٌ غير مُرقَّعٍ، فما أملؤه إلّا نفد، وما أُتمِّمه إلىٰ نصفه حتىٰ يخور إلىٰ عُشرهِ. هبني قنِعتُ بذلك، ورضيتُ بقسمتي التي أقسمنيها ربّي فكيف تُراني أشدُّ علىٰ يد من حولي أُحاجِجهُم بما هو حقٌّ لا يشوبه لبسٌ ولا مُريَة: لستُ كما تتخيلون! لستُ كما تزعمون! لستُ كما تظنُّون! أنا أضعف من بيت العنكبوت، وأضألُ من نملةٍ في قعر جُبٍّ في ليلةٍ مُحاقيَّةٍ سوداء فحماء، لا نور فيها يُرشد، ولا ضياء فيها يُ...

عامٌ كأيّ عامٍ خلا

صورة
ها نحن شارفنا علىٰ نهاية هذا العام، الذي انصرم ذكره، وانحل عقده، وفرطه أمره؛ أن نازعنا بأهوالٍ تشيب لها الولدان، وتُسقط بها الحُبّل، وتبور بها البلدان. عامٌ حالَ علينا بما يضنينا، وبما يُسقم قلوبنا، وتنفطر به أكبادنا، وتُستعرّ نيران الأسىٰ في أفئدتنا، فما هدأ روع اليتامىٰ، ولا سكن خاطر الأيامىٰ. تثاقلت علينا الهموم، وتكالبت علينا الأمم، وتناهشت الدول قطعاً من جسدنا الواحد، فما صار يشتكي عضوٌ؛ إنما صار يُنتزع من الجسد، ويُرمىٰ في طيّ النسيان، وصار سائر أعضاء الجسد يتداعون لا من الألم؛ بل من السأم والملل. وعدَت الأيام علينا بشواظها، ومّر بعضها: حتىٰ فُجِعنا بفاتحة عامنا بزلزالٍ في الشام والأناضول، أهلك البلاد والعباد، وأعدم الحرث والنسل، ثم ما إن سكن بعض روعنا، حتىٰ بوغتنا بحرب استعرّت في السودان، وعدا بعض الذئاب علىٰ إخوتنا ينهشون لحمهم، ويلوثون عرضهم، يأكلوا أموالهم، ويغتصبون ديارهم. ثم نُبادَر بزلزالٍ آخر مثل صاحبه الآنف في الشدّة، ظهر في بلاد المغرب، وأُحدِث فيهما ما نعلم، ثم لحق به آخر في بلاد الأفغان، وقلب عالي الأرض سافلها؛ فما يلتأم جُرحٌ إلا وفُتِق آخر. ثم تابعت أصحابها كارثةٌ أ...

مولِدي أم مَحيايَ؟

صورة
وقد بتّ لا أعلمني إلا مُتأملاً من ربي أن إذا ما مالَ الناس عن عوايدهم، وركنوا إلىٰ غير ما عهدوه، وزهدوا بطريق الحقّ، ومنهاج الصراط المستقيم؛ ألا أميد كما مادوا، وأنا أبقىٰ علىٰ العهد والميثاق، كالشامخات الراسيات العاليات. وأنٍ كلما مرّ عامٌ علىٰ مولدي؛ أن أبقىٰ فيه كما أنا.. ألا أتغير ولا أتبدّل. أنا أكون كما أنا مُحمّد بن يحيىٰ بن عبد المجيد، الرفاعي الحسيني الهاشمي نسباً، الأمي موطناً، الكوتاهِيْ مقاماً. وألا أخرج عن الطريق الذي اختاره لي ربي قيد أنملة، وألا أتزحزح عنه ولا أترنّح، ولا أصير فيه في شكٍّ من أمري بين الإقدام والإبطاء، وتروٍّ وإعجال، أن أسير فيه كما يسير السحاب، خطوةً بخطوةٍ، وباعاً بباع. هذا ما آمل. أما ما سأقول، فقد حُكي لي أنما ولدت في السادس من شهر جمادىٰ الأولىٰ لسنة ١٤٢١ه‍، الموافق السادس من شهر آب لسنة ٢٠٠٠ للميلاد. في ساعات الصباح الباكرة، وقد قُرّر لي أن يكون مسقط رأسي ليس قريتي قرية أم ولد، بل جارتها قرية الكرك الشرقي. ولم يكن أهل الطب الحديث هم دايتي؛ بل امرأةً أحسبها كأم زكي، وأحسب أيضاً أن كل الدايات كأم زكي. وقد قرأت ذات مرّة سؤالاً توجّستُ منه، أنه: متىٰ يح...

أنا الذي ما نظر إليّ أحد

صورة
 بسم الله الرحمن الرحيم، أحمد الله وأصلّي علىٰ نبيّه. من أنا؟ ما صنعي هنا؟ وهل أحسبني علىٰ ذاك القدر من الأهمية والقيمة التي تخوّل أحدهم أن يتكلف عناء القراءة لما خطّته يدي، وجاد به قلمي؟ أو أناملي علىٰ الشاشة! تلكم أسئلةٌ راودتني، وملأت عليّ عقلي وسمعي وبصري= أن فيما أنا هاهنا، وهل يغني عن الناس شيئاً أن أنقل ما حوته قماطري وأوراقي، لأضعها هنا فيقرأها الرائح والغادي. وما تلكم الدرجة العُليا التي يلقها أحدهم في مدونتي هذه؛ فلست بذو شهرةٍ أو مالٍ تليد، ولا أنا ذو عزوةٍ من سلفي في ميادين الأدب والكتابة، ما أنا إلا غِرٌّ قد غُرّ بقراءته بضعة كتبٍ ما بلغت حصيلته بها شيئاً. وهو كما يعلم في قرارة نفسه ضعيفٌ في الإعراب، وبسيط في العَروض؛ فأنىٰ له أن يدّعي رفعةً في الأدب، وسلطاناً في البلاغة والفصاحة! ‏‎”رحم اللهُ امرئٍ عرف قدر نفسه.“   كذا علّمنا سيد الأنام ﷺ، فالمرء عريفٌ بنفسه عليم، فهو يزنها بميزان الحكمة، ورجاحة العقل، ورواء النفس، ولا يدعها تفلتُ فتطغىٰ طغيان من حسب نفسه ملِكاً فتجبّر. وإن الإنسان في سعة من أمره لتعضيد حسه، وتقويم رأيه، وإمْتانِ عقله؛ فإن هو بدأ عهده بالتكبّر وم...