وقفةٌ مع مختارات أنطون تشيخوف القصصية القصيرة: المجلد الأول
لم أكُن مع القصص القصيرة في وئامٍ، ولم أكُن كذلك مع الروايات المطوّلة في هيامٍ، بل حتىٰ كنتُ كارهاً لاثنتيهِما. فالقصص القصيرة لا يعيش الراكب -أو دعنا نقل القارئ- مع شخصيّاتها كما يُستحسن، لا يعرف خبايا تلكُم الشخصيات، لا ما تُحب ولا ما تكره، ما تفكّر به وما لا تفكّر به، كيف غضبها وكيف سكونها، كيف عيشها ومعاشها، ونومها ومنامها. لا يعرف عنها إلا كما يعرف القابع في البادية عن حوادث العالم المتحضّر، الشيء القليل اليسير، الذي لا يُغني ولا يُسمن من جوع. أما الروايات الطويلة المطوّلة، فإن المرء ليسيرُ معها رحلةَ قريشٍ الشتاء والصيف، إذ يضنيه طول الطريق وإن كان فرحاً، ويهلكه عناؤءه وإن كان مرحاً. فذاك الطول يزعُ في النفس مللاً، يعوزه أن يتركها في منتصف الطريق، وأن يدعها إلىٰ غيرها، حتىٰ تراه يكرهها؛ علىٰ جمال الرواية وحلاوة سرهاد، ورونق قلمها. لكن الطول مُسئِمٌ له علىٰ أيّة حال. وهنا يأتي ‹أنطون تشيخوف›، فيغيّر بعينك نظرتك نحو القصص القصيرة، يُحسّنها ويُجمّلها، ويقلّبها بقالب المتعة، وبهاء النظرة. فتصير للقصص محبّاً بسببه، ولا تنفكّ حتىٰ تغدو وقد أحببتَ أن تقلّده، وأن تصنع ما يصنع، ويحدث أن ت...