اليوم السّادس: الخطأ الذي لن أعاوده

 

قد عرفتُ أن سقطة المرء في حفرةٍ إذ يسير، ليست بحجّةٍ عليه أنّه غير ذي كُفؤٍ للمهام الجسام، وانّ هنالك عللاً وأموراً تُفسّر تلكم السقطة، فلعلّ الإضاءة ليست بذلك القدر، فلم تتّضح الرؤية ولم تستقم، أو لربّما كان في عجلةٍ من أمره، أو نحو ذلك من الأمور التي تشغله عن إبصار ما هو حوله، أو سوء تقديرٍ بأنّ خطوته القادمة لم تكن لتجسو على الحفرة، وحسِبَ أنّه كان ليتخطّاها، أو لعلّ هنالك عارضاً ألم به، فهو حائلٌ بينه وبين النّجاة من تلك الحفرة. ولكنّها تبقى حفرةً على أيّة حال، فتُصيب منه لا ريب بعض الأذى والنّعرات، لكنها يسيرةٌ بقدرٍ معقول. وهنا ليس الخطأ في تقدير تلك الحفرة، ومن ثم السقوط فيها؛ إنما الوقوع مرّةً أخرى ذات الحفرة، والسّقوط فيها مراراً وتكراراً، دون جعل التجربة السابقة معياراً للتعلم والاعتبار. 

فالخطأ الذي تعلمتُ منه كثيراً ليس بالضرورة الحتمية أن نسيّر معناه على أنه خطأٌ بالقدر الذي نجعله نكسةً أو هفوةً أو كبوةً؛ درساً يقتفي المرء آثاره وعلل وأسبابه ومضامنه التي وعاها، فإنّ الحياة تجاربٌ، منها ما تختبره النفس فتمضي في اجتيازها بتوخّيها، ومنها ما هو من تجارب الناس فيتحاذرها خشية الوقوع فيها. ولعلّ البعض ينطرني أن أذكر له قصّةً شخصيّةً في حياتي لأوردها على سبيل العبرة والتّأسي، وفي حقيقة الأمر أني أبحث في سرديّة حياتي التي عشتها، فوجدتُ الكثير من الأخطاء، لعلّة طبعي العنيد، وما خُلّقتُ عليه من المجادلة على رأيي والمدافعة المستمرّة حتى لو على الخطأ، فتكثر سقطاتي وهفواتي، وربما تعلمتُ من بعضها، والبعض الإخر أستنكف أن أحذرها، فأكرّر الحسرة على نتائجها المُعادة. وهذا ديدني المعتاد، ولو أن تسارع الهفوات عندي قد تضاءل إلى حدٍّ كبير -نوعاً ما- في الآونة الأخيرة لمرونتي التي أُبديها في لحظتي الآنيّة، أو فيما بعد الحادث نفسه. إلا أنّ الطّبع غلّاب، والجبلّة موطّدة؛ لا أفاككُها، ولا تفاككَني.

غير أني أحببتُ أن أورد الخطأ الذي سريتُ عليه، برأيي السياسي والعسكري. فإنّي امرؤٌ أراني وهبت نفسي للسياسة وأحوالها، وجَعلَ مضامينها العسرة أمثولةٌ عن الحِكم التي أستخلصها، والنتائج التي أعتبرها. وتقديري للمواقف السياسية بحسنها أو مضارّها هو الَّذي أُكثر منه. وهنا مرْبعُ هفواتي وزلّاتي التي أقصدها. والحديث هاهنا عن السّابع من تشرين/أكتوبر. إذ وجدتني حينما بدأت المعركة الخيّرة، كنتُ علىٰ قناعةٍ تامّةٍ أنّ أيّام العدو الصّهيوني باتت معدودة، وأن أفولهم قد اقترب، فإن لم يكن هذا العام، فالعام الَّذي يليه. وقد رأينا بعدُ ونحن الآن بعد قرابة عامين إلَّا قليل من ذلك، أنّ الكيان توحّش، وبات ما مِن رادعٍ له ولا مانع، فهو يرعد ويبرق ويزجر، ويقصف من شاء ومتىٰ شاء وأينما شاء دون حسيبٍ ولا رقيب، بل واستوزرت في نفس العظمة والجبروت، وصار بأعلىٰ ممّا كان فيه. فإن القتل والإجرام في عرف الدول مُناطٌ بعقيدة الصدمة، أن تصدم دولةٌ العالم بكثرة القتل والتدمير، والانتهاكات المروّعة التي لا تتوقّف، فحينها العالم لا يصير يسأل هٰذه الدولة المارقة التوقّف عمّا هي فيه، بل فقط التقليل بقدرٍ أو بآخر.

ولعلّي بهذه الواقعة التي لا أتحدّث عنها أخيرٌ هي أم شر، وإن كنتُ مازلتُ موافقاً لها أنّها خيرٌ ونعمةٌ، وأنّ جهاد الدفع واجبٌ، وأنّ حقّ إخواني في غزّة المدافعة عن أنفسهم وأعواضهم وأرضهم وأموالهم، وواجبي أن أهبّ لنجدتهم، وأنّ هذا العدو لو رضيَ بالسّلم والموادعة لبُذل له ذلك، بريب أنّه يأبىٰ غير القتل والتدمير، وهو الذي كان سيُهاجم المجاهدين علىٰ أيّة حال لولا الضربة الاستباقيّة التي شنّتها المقاومة وحصلت بها علىٰ أوراقٍ ومستندات تثبت تلك المعلومة. وإنَّما حديثي هو عن رؤيتنا نحن العوام للأحداث، قد اعترفت في نفسي -وهذا أصعب الاعترافات- أنّي أخطأتُ أنا التقدير، وأنّ نظري لميزان الأمور كان معقوفاً لأنّها نظرةٌ عاطفيّةٌ ليس للعقل فيها يد. فالاعتماد علىٰ مساعدات الحليف المرهونة برغباته وحساباته الداخليّة والخارجيّة التي تعنيه لوحده. وكذا أخطر ما علىٰ الدّولة ليس غلو النّاقدين، بل إفراط المادحين. والاستهانة بالعدو أعدىٰ علىٰ النّفس من كثرة عتاده. والكبر بالقوّة والفخر بالعدد، وبطر العدو إنما كان ليودي بجيش المسلمين في حنين لولا الله فأينما ترانا نعتبر. والعاقبة المرجوّة تكون بعدم تكرار نفس الواقعة إذ لا تنتج إلَّا نفس النتيجة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا الذي ما نظر إليّ أحد

اليوم الثّالث: أصعب قرار اتّخذتُه