طوفان الأقصىٰ: هل التاريخ مرآةٌ للحاضر؟

 

حينما أُعلِنت انطلاق معركة طوفان الأقصىٰ المباركة، كنتُ مستقيظاً لتوي كعادتي لصلاة الفجر. وقد فتحت الهاتف علىٰ منصّة إكس لأرىٰ أمامي انطلاق المعركة برشقاتٍ صاروخيّة من قطاع غزّة تجاه مغتصبات الغلاف. قلتُ حينها أنَّها مجرد عمليّةٍ كباقي العمليّات الَّتي تحدث، ولن يطول أمرها إن طال إلَّا كما معركة سيف القدس. ثمَّ وإذ بنا نشهد معركةً طاحنةً خاطفة، أعادت للقضيّة مجدها الغابر، وذكّرتنا قليلاً بمعركة الكرامة، غير أنَّها أُتبعت بعد ردهةٍ بمجازر وتدمير كاملٍ وشاملٍ للقطاع. ومازلنا وقد توالت الأيام، حتَّىٰ طافت إلىٰ يومنا هذا حاجز ٤٦٦ يوماً، ولم يحرك أحدٌ ساكناً، واكتفت دول العالم بالقلق، وبعضها بالتّنديد، أمّا الشّرذمة السّاحقة من الغرب فأمالوا أعنقاهم مطيّةً للصّهاينة، وصاروا يتبارون في إعلان الطّاعة والخضوع، والانقياد التّام لمصالح عبدة العجول في يافا.

فرأيتُني أعجبُ من حوادث متلاحقةٍ، يجرّ بعضها الآخر، ودار في مخيّلتي أنِّي رأيتُ هٰذه المشاهد مكتوبةً قبل حين.. فالأمداد تأتي من البحر، وعدوٌّ رابضٌ في السّاحل وبيت المقدس، وكيانٌ في القاهرة عميلٌ له علىٰ الجملة، ودولٌ ووممالك يخشىٰ الواحد منها علىٰ نفسه ومملكته أو دويلته، علىٰ أنَّ ما اختلف أن القسطنطينيّة في آننا هٰذا معنا لا علينا، والرّوافض وشرّهم في استمراء وازدياد، يتعالىٰ صوتهم علىٰ صوت الحق، ويضربون أهل الإسلام ويُثخنون فيهم، ويتحالفون مع الغرب جملةً لدحر إسلامنا من أرضنا، وخونةٌ منطاعون لأرباب لقمة عيشهم في يافا، يتجذّرون في نفاقهم، ويتمارون في شقاقهم وانحطاطهم، فلا يتحرّكون داعمين إلَّا بكيس من الطّحين، وشربةٍ من الماء، وحتّىٰ هٰذه علىٰ قلّتها بخلوا بها لشدّة ضعفهم، فما خرج من يدهم سوىٰ الأكفان؛ تُهدىٰ إلىٰ أهل غزّة..

ونعم تذكرتُ حصار عسقلان، وهي بجوار غزّة، يوم حاصرتها الفرنجة ردحاً، ونور الدّين يتحايل علىٰ أمير دمشق مجير الدّين أبق البوري، الَّذي أعلن عمالته حينها للفرنجة، وأبىٰ علىٰ نور الدّين أمير حلب أن يتوجّه إلىٰ عسقلان ينجدها. وكان الملك الشّهيد رحمه الله يتوانىٰ في بسط السّيطرة بالسّلاح علىٰ إخوانه المسلمين قدر ما يقدر، ولا يرضىٰ الوحدة بالسّيف، ويكتفيها بوحدة الكلمة، وتوجيه السّهام نحو عدوٍّ واحد. والنَّاس نيامٌ عن بيت المقدس.

كنتُ قد تذكّرت هٰذا المشهد، وقلتُ في نفسي: أما وقد تشابهت الأحداث وتكافأت، وتماثلت وتصاورت، وإذ بي أقْصَرُ رؤيةً عن فهم الوقائع في الزّمان هذا، فلا أقدر أن أتخيّل كيف ينتهي؟ ولا أدري ما جدوىٰ المقاومة؟ ولا أعي ما الدّاعي لكلّ تلك المقتلة العظيمة، وإن كنتُ في داخلي مع المقاومة قلباً وقالباً، أنتقدهم وقت السّلم، وأشدّ علىٰ أياديهم وقت الحرب، وإذا ما عاداهم العدو ساندتهم بنفسي وكلماتي، علىٰ ضعفها أمام البنادق، وأقول في نفسي «متىٰ تشربُ كلماتي من دِمائي؟»، ولعلّ عسقلان تشربُ من دِمائي، ولعلّ عكّا ترتوي من دِمائي، ولعلّ بيت المقدس لا يظمأ بعد دِمائي، فلنعمَّ الشّارب، ولنعمَّ المشروب إن كان في سبيل الله وإعلاء كلمته.

علىٰ أنَّ المسلم ما أوجبُ واجباته وقد رزقه الله الوسائل الرّاجحة، والأمور المُعِينة علىٰ استبصار حقائق مبرهنةً أمامه لو تمعّن، فله لو غشيت عينه بغشاوةٍ الفتن، أن يأوي بنفسه وعقله وقلبه إلىٰ قماطر التّاريخ، وكتب الأوّلين، فيستزيد بزادين: زاد التّهوين؛ إذ يرىٰ أموراً أشدّ في تاريخه الغابر، فيخفّف ذٰلك عن نفسه قيداً. وزاد الرّبط بين الحالين؛ فيستقرأ المستقبل بعين الماضي، ويستنتج من أسطر الكتب معانٍ تعينه علىٰ المضي في حياته المقبلة، فيرىٰ كيف اندحرت الفرنجة أخزاهم الله بعد زهاء قرنين من الزّمن بسيطرتهم علىٰ أنطاكيا والرّها وطرابلس وعكّا ويافا وعسقلان وغزّة ونابلس وبيت المقدس والكرك من آخر معاقلهم في السّاحل؛ فلا ييأس بعدئذ. ويرىٰ كيف استعلت الرّافضة خذلهم الله فسيطروا بـ(بويه)ـيهم علىٰ بغداد وأصفهان، وبـ(حمدان)ـيهم علىٰ الموصل وحلب، وبـ(فاطمي)ـيهم علىٰ القاهرة وبيت المقدس ودمشق، وبـ(قرامطة)ـهم علىٰ الإحساء وجنوب العراق؛ فلا يحبط.

فشرعتُ حينها بقراءة تاريخ الحروب الصّليبيّة من شتّىٰ المصادر والمراجع، أقرأ ما استطعت، حتَّىٰ حفظتُ الأحداث والتّصاوير، وشرعتُ بعد حفظي بسبب كثرة القراءة؛ بتحليل الأحداث والقرارات الَّتي اتُّخذَت حينها، وأقايسها وأعاينها، وأرىٰ الصّحيح منها من الخطأ، وجعلتُ أعرفُ أسماء القادة وشخصيّة كلّ واحدٍ منهم، حتَّىٰ وجدتُني مولعاً بتلك الحقبة، وصار حالنا الَّذي نُعايشه علىٰ قسوته ومرارته أهون بأضعافٍ عمّا قرأتُه. فوجدتُ زماننا هٰذا الَّذي نعاينه ليس شاذّاً عن صور التّاريخ، وما هي إلَّا دورةٌ معادةٌ من التّكرار، فلا يفضي إليّ بعد الآن شكٌّ عن أنَّ هٰذا الاحتلال زائل وهٰذا العدوان مغادر، فلا يبقىٰ إلَّا أهل الأرض. وأنَّ هٰذه الأرض متجدّدةٌ عهودها بدماء أبنائها.

ومضىٰ عامٌ وثلاثة أشهرٍ، لأرجع بعد تلك الفترة لأستمع إلىٰ سلسلة «الطّريق إلىٰ بيت المقدس» للشّيخ أحمد السّيد، فيتجدّد عندي ذات الشّعور، ويتخامر ذٰلك الحسّ في نفسي، وقد حفظتُ الأحداث الَّتي يرويها قبل عامٍ، حتَّىٰ وافق قدرُ الله أن استفتحتُ المعركة المباركة بقراءة ذٰلك العهد وأنا أرىٰ مصائب احتلال الفرنجة، لأختم المعركة بسماع تكابير فتح بيت المقدس والسّاحل.

ولٰكن، هل انتصرنا في هٰذه المعركة؟ أم هي هزيمة؟ في المقالة القادمة أُسيلُ مِداد مِرقمي إن شاء الله..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا الذي ما نظر إليّ أحد

لعلَّك تميلُ إلىٰ العمل في الاتِّحاد بعد أن تقرأ هٰذا

قصَّة قصيرة: عودة سيف الله