قيد البداية
قد تنوء بك حماسة الإقدام علىٰ مسألةٍ، وتنبري لها عاقداً عزمك، ومبدياً حزمك، وساعياً بكلّ عنفوانك تقدم عليها إقدام من لا يُثني مسألته بالعود. ثمَّ حين تشرع بتجهيز لامتك لخوض غمارها، ترىٰ نفسك تقدِّم قدماً، وتبطئ أخرىٰ، وما هو احترازٌ من عواقب قد تنوبك، ولا بدرءٍ لمصيبةٍ قد تلمّك، إنَّما هو شيءٌ يُقيّدك عن الإقدام، وليس فيه نتيجةٌ تخشاها. هٰذا يرحمك الله أمرٌ تراه في كلّ مسائلك الَّتي تعتركها، وهو الخوف من الجديد. وحتّىٰ ولو لم يكن جديداً، إنَّما فقط أنَّه خروجٌ عن مألوف ساعتك الاعتياديّة الَّتي تقضيها عادةً. أفلا ترىٰ نفسك حين تهمُّ بالسَّفر يعتريك بعض الخطب، وتشعر أنَّه هناك بأساً لا تعلمه يرقبك. ومثله إن شرعت في أي عمل، كبيراً كان أو صغيراً، يكفي أن يكون خارجاً عن طور سيروريَّة يومك الطّبيعي.
لكأنَّ هٰذا إن رُمنا تحيليل كلّ صعاب يقتحمها المرء؛ أنَّ المسألة في تلكم السَّاعة. هي السَّاعة الَّتي بوحدها لو قضيتها ومررتها بسلامةٍ، فسترقىٰ وتخطو بسلامة لا ريب. وفي هٰذا شيءٌ ممَّا قالته العرب منذ قديم عهدها حين وصفت الشَّجاعة: «إنَّما الشَّجاعة صبرُ ساعة»، فإن تخطَّيت تلك السَّاعة الَّتي هي أنغض ما علىٰ النَّفس، إذ يعتريها خطوب الزَّمان والمكان، ووحدتها أمام بليَّتها؛ فإن تخطَّاها فقد سهُل عليه ما بعدها. وأنت كائنٌ بمثل هٰذا إن أبصرتَ نفسك حين تضع منهاجاً لقراءتك أو دراستك أو مطالعتك. وما تريده من برنامجٍ تنظِّم به يومك، أصعب ما فيه ليس تصميمه، أو رسمه كما يليق عليك؛ إنَّما في أول خطوةٍ في تطبيقه. فلكَمَ رأيتَ نفسك تضع الجداول التّنظيميّة، والبرامج التَّرتيبيَّة ليومك، ويكون من غاية الحسن والبهاء ما تشعر أنَّ به تبلغ الأمجاد، ثم تمرُّ اللَّحظات، ويخمل عزمك، وينفلي حزمك، وتضعف همّتك أمام مغريات الحياة تارَّةً، وأمام الخطوة الأولىٰ من المهمَّة تارةً أخرىٰ.
والإنسان بطبيعته كسول، يؤجّل عمله الَّذي يبتغي إحرازه إلىٰ غدٍ، ويضه في باله أنَّه في سعةٍ من أمره، وعافيةٍ من وقته، فلا يُحاج أبداً إلىٰ العجلة. وهذا من السُّخرية، أنَّه كسولٌ في مهامه، عجولٌ في أهوائه. وإنَّ من أرجىٰ سبلِ التَّخلُّص من هٰذه المعضلة، معضلة البداية، أو قيد البداية أنَّ لا يُنحِّي عن باله حيزاً للتَّأجيل، وأن يعتبر ساعته هٰذه الَّتي يقضيها هي آخر ساعةٍ مسموحٌ له فيها أن يُنفذ مأربه، وإلَّا فاته الوقت، وأدركه النفاد. ومن سبيل ذلك، ألا يقتضي علىٰ نفسه حتميَّة البدء عند السَّاعة ٠١:٠٠، أو ١٢:٣٠ ١٨:٠٠ أو ٢٠:٣٠.. وغيرها من الدَّقائق والسَّاعات الَّتي يشرع بها المرء عادةً، إذ ما المانع من أن تبدأ عند السَّاعة ٠٥:٠٤ أو ١٤:٢٣ أو ٢٠:٢٠ أو ٢٣:٥٦؟ وكذا أن يعمد إلىٰ اقتحام اللَّحظة حتَّىٰ ولو لم تكن علىٰ أبهىٰ صورةٍ، فالغاية أن يتجاوز قيد البداية، لا أن يجليها بأرجىٰ مظهر، فحين يفعل بذهب عن باله انشغاله بكيف يبدأ، ومتىٰ يبدأ، وهل ينجع أمره إن بدأ علىٰ هٰذه الشَّاكلة أو تلكم الطَّريقة.
وبعد.. فابدأ الآن، ولا تتوانىٰ
تعليقات
إرسال تعليق