المشاركات

اليوم العاشر: نقطة تحوّل

صورة
عيش المرء أكثر سلاسةً واعتياداً من أن يقدم علىٰ شيءٍ يخالف الدّعة الَّتي هو فيها، فالنفس ميالةٌ للاستغراق بالسكون، وعيشها التي تهواه لا يكون إلَّا في منطقة الراحة. وهدوء البال والخاطر مقدّمان علىٰ اجتلاب عظام الأمور الَّتي لا تكون إلَّا بالجسام منها. وقد يتغاضىٰ المرء عن بعض ميزات ذلك الإقدام مقابل أن يستكين ويرتاح. وحين يهمّ بصنع شيءٍ يكون ذا أثرٍ ونفعٍ عليه وعلىٰ من حوله، ينتظر اللحظة المناسبة، وتلكم اللحظة لعمري لا يهتدي لها المرء في عادة الأمر إليها، بل تراه يغفل عنها، كأن تقول وأنت في الساعة 11:52 دقيقة: سأدرس للامتحان عند الساعة 12. فتنتظر الساعة 12 عوضاً أن تشرع في خلق اللحظة المناسبة بنفسك، ففارق الثمان دقائق الَّتي بينك وبين الثانية عشرة لربما عَنَتْ شيئاً ذا حجمٍ شاسعٍ بمرور الزمن إن جمعتها وغيرها من لمم الدقائق. ولعلّ النفس وإذ تحبّ الدعة كما أسلفنا، تختلق لنفسها المعاذير والأسباب، وتدافع عن قيامها بالحجج المتوفرة، فلعلً الوقت يكون أول الأسباب، أو حاجتها إلىٰ الطعام أو الشراب، أو أنّ المكان غير مناسب، أو أنّ الزمن بذاته ما زال فائضاً فترجّح أن تبدأ الغد. وهذا التسويف لعمري م...

اليوم التّاسع: صديقي الذي ما خذلني

صورة
لعلّه من المضحك بعض الشيء حين أعنون الخاطرة بهذا الشكل، ثم يتبادر إلى الذهن أنني سأتحدّث عن شخصٍ بعينه، وألقي عليه عبارات الامتنان والتبجيل على ما أثّر فيّ، فإذا بي أقصد بالصديق الكتاب. بهذا أقتدي لربما بقول المتنبي: وخير صديقٍ في الأنام كتاب إذ أني تفكّرت بكل شخص أطلقتُ عليه يوماً ما مفردة صديق، أو مشتقّاتها من البتروصديقيّات والأصحاب والرفقاء التشاركيّين والمكافحين، وبكل تفصيلةٍ عشتها معهم، بكافة المتع والمغامرات التي قضيناها، وبكل المعاني التي وجدتها في نفسي بقربي معهم، وبما أحرزوه في داخلي، بخيره وشره، سيّئه وحسنه، منافعه ومضارّه، وبما أورثوه في من عاداتٍ ومعايشاتٍ زرعوها في طبعي وفي جبلّتي، وبالأخلاق التي وطّنوني على بعضها، وصرفوا منها شيئاً، تفكّرت في كل ذلك؛ فرأيت ما منهم من أحدٍ بلغ مني مبلغاً أشهد له بعظيم الأثر، وجزيل الأمارات. وقد يزعم قائلٌ أنّ هذا على سبيل الكِبر واغترار النفس ببعض ما وهبه الله، وأنّ التواضع الذي يدّعيه فيه نظرٌ لا يغفله عاقلٌ متبصّرٌ فطن، وأن من التّخلّق الحسن ممّا شهدنا عليه في أخبار من سبق من الأسلاف العظام أن يعرف المرء لغيره حقّه. وهذا لعمري صوابٌ لا ...

اليوم الثّامن: الخوف، ومغالبته

صورة
  كان السؤال الَّذي دائماً ما حار في ذهني عن الخوف وأحواله ودرجاته، وهل شعور الرّجل به هو نقصانٌ في رجولته، وقدحٌ فيه وذمٌّ لمكانته؟ قد علمنا أنّ مناط شجاعة المرء مغالبته للخوف ساعة أن يقدم عليه، كقول العرب: «إنّما الشّجاعة صبر ساعة». وحين يغلبه الخوف يُحال في الوصف إلىٰ الجُبن، الَّذي هو نقيضه. فحتّىٰ مجرّد الاعتراف المرء لنفسه، وحديثه في سرّه الَّذي لا يطّلع عليه غير ربّه، عن مخاوفه هو نوعٌ من الأسيلة المؤرقة لذهني. فلطالما وجدتني أكابر علىٰ نفسي أن أعترف بخوفي من شيءٍ ما، أتهيّب حتَّىٰ الاعتراف، وأن أسقط في عين نفسي ذاتها، وقد أرىٰ وقد تبعتُ قول جبران: «وعظتني نفسي؛ فعلّمتني ألَّا أطربَ لمديحٍ، ولا أجزعَ لمذمّةٍ» أنّ النّفس هي القاضي الذي أنصاعُ لحكمه، وهي الميزان الَّتي أزنُ فيها الطّبائع الَّتي أتخلّقها؛ حسنها من وجه المروءة وسيئها. وليس دوماً باعثُ الدّين ميزانٌ في كلّ الأخلاق، فنعم قد حثّ علىٰ البر والمكارم والمروءات، ولكن أخبرني هل يجب علىٰ المرء أن يكون شجاعاً؟ مثلاً أن يهرب المرء من رجلٍ مجنون، هل هذا جُبن؟ أن يتهيّب المرء صعود المرتفعات، هل هذا جُبن؟ أن يخشىٰ الموت، هل ه...

اليوم السّابع: إنجازٌ أفاخرُ به

صورة
  لا أرتضي لنفسي دوماً أن أكون بين ثنائيّة التّخيير، أو ربط النتيجة بعلّةٍ واحد وسببٍ أوحد، أو الاكتفاء برقمٍ واحدٍ دوناً عن غيره بالفخر والاعتزاز، أو أن أرجّح طرفاً علىٰ آخر في ميدان المغالبة والمناكفة، أشعر أن تحديد النفس بقوالبٍ من الأسئلة والخيارات معيقٌ لها عن رأيها الحقيقي صرفةً. فحين تريد منّي أن أختار بين الشاي والقهوة، فأنت تدفعني لاختيار ما لا أرغب فيه، إلىٰ ما ترغب أنت فيه، فلربما رغبتُ بالحليب، أو العصير، أو نحو ذلك من المشروبات، أو حتَّىٰ رُبَّما لم أرغب بشي سوىٰ الماء. وحين تسألني عن سقوط الدولة العثمانية، وتتنظر مني أن أقول لك سبب ذلك هي الثورة العربية الكبرىٰ، متناسياً العصيانات الكثيرة الَّتي نتجت عن صعود الخطابات القومية بين الأقليات العرقية والطّائفيّة والمذهبيّة في أصقاع الامبراطوريّة، وغلبة الديون الَّتي أثقلت أحمال الدولة، وتكالب الدول الغربية عليها، واستشراء الفساد في مفاصلها، وعكوم الجهل، وكثرة الاستبداد، والمركزية المترهّلة، والبيروقراطيّة السارية بين موظّفي الدولة، وتقاعس الولاة عن ضبط الأقاليم بسعة الصدر، واستنكاف الجيش عن خدمة بلده ساعياً إلىٰ انضمام بعض...

اليوم السّادس: الخطأ الذي لن أعاوده

صورة
  قد عرفتُ أن سقطة المرء في حفرةٍ إذ يسير، ليست بحجّةٍ عليه أنّه غير ذي كُفؤٍ للمهام الجسام، وانّ هنالك عللاً وأموراً تُفسّر تلكم السقطة، فلعلّ الإضاءة ليست بذلك القدر، فلم تتّضح الرؤية ولم تستقم، أو لربّما كان في عجلةٍ من أمره، أو نحو ذلك من الأمور التي تشغله عن إبصار ما هو حوله، أو سوء تقديرٍ بأنّ خطوته القادمة لم تكن لتجسو على الحفرة، وحسِبَ أنّه كان ليتخطّاها، أو لعلّ هنالك عارضاً ألم به، فهو حائلٌ بينه وبين النّجاة من تلك الحفرة. ولكنّها تبقى حفرةً على أيّة حال، فتُصيب منه لا ريب بعض الأذى والنّعرات، لكنها يسيرةٌ بقدرٍ معقول. وهنا ليس الخطأ في تقدير تلك الحفرة، ومن ثم السقوط فيها؛ إنما الوقوع مرّةً أخرى ذات الحفرة، والسّقوط فيها مراراً وتكراراً، دون جعل التجربة السابقة معياراً للتعلم والاعتبار.  فالخطأ الذي تعلمتُ منه كثيراً ليس بالضرورة الحتمية أن نسيّر معناه على أنه خطأٌ بالقدر الذي نجعله نكسةً أو هفوةً أو كبوةً؛ درساً يقتفي المرء آثاره وعلل وأسبابه ومضامنه التي وعاها، فإنّ الحياة تجاربٌ، منها ما تختبره النفس فتمضي في اجتيازها بتوخّيها، ومنها ما هو من تجارب الناس فيتحاذ...

اليوم الخامس: السكينة بين زوايا بيت الله

صورة
  علىٰ أنّ قيظ الصّيف حينها قد اشتدّ بشكله الاعتيادي في شهر تمّوز، والحرارة الَّتي لا يصمد معها المرء حيناً كثيراً في جلّ حاله، لاسيّما منتصف الظّهيرة، أو حتَّىٰ عند العصر، بل وعند المغرب والعشاء، أو لعلّ الطّقس لا يصفو للمرء في ذاك الشّهر إلَّا عند الفجر، تشعر أنّ نسمات الهواء حينها معوّضةً لك عن حرور اليوم واللّيل كلّه، وفي الحقيقة أن نسيم الصّيف أرقّ عندي من هواء الشّتاء، فأنت بالشّتاء طقسك كلّه هواءٌ ورياحٌ وبردٌ معتاد، ليس من شيءٍ جديد عليك حينها أن تلحظ ميزةً في هبة نسمة الهواء التي تحمل في طياتها البرودة الموجودة أساساً، أما في الصيف، فقد يترآىٰ لي ما ترآى للأعرابي الذي يعتمّ عمامته، مُرتدٍ عباءته، وقد اشتدّ عليه الحرّ، ثم أناخ راحلته، وعمّد عصاه، وأرخىٰ عليها العمامة، واستوسد العباءة، ومكث تحت ظلّها، فتسعفه النّسمات الرّائقة، والهواء العليل الذي يهبّ بين الفينة والأخرى، وسط هذه البيداء القاحلة. قد استطردت كعادتي، ولا أعلم متىٰ أراني أخلصَ من هٰذه العادة الكتابية، فقلمي إذا أرحته بالكتابة؛ يأبىٰ إلَّا أن يملي كلّ ما في النفس من ظلال المعاني الَّتي في تكنّها، على أن هذا هو ما...

اليوم الرابع: الشخص الذي غير مجرى حياتك

صورة
 أسرد لك الكثير منهم إن شئت أن أسرد، ممّن لقيت منهم في الشوارع والحارات، ومن حاورتهم بحديثٍ أخذ منّي شيئاً، واجتزأ من بعضي حالاً أزعم أنه بقي فيّ طويلاً. لكنّني أعلم علم اليقين ممّا وعيته في سنين عمري التي خلت، وممّا أمضيته بين ورقات الكتب، وفهمته من أقوال من سبقت فيهم التجارب، واختمرت في عقولهم الأفهام الجلية الوضّاحة: أن التأثير لا يُقاس بما يُحاط حول المادّيّات من شواغل الدنيا وصوارف النّفس، إنّما بما أُحدث في الروح من عوالق الإيمان، ومِن اشتعالها بحماسة الدين، ومحادثة النفس بالجهاد ونصرة الأمّة. وأنّ الدنيا إن طرقت بابك بكلّ متعها، وبزينتها التي أغوت الكثير والكثير من بني البشر، وحالت بيننا وبين التي عرضها السماوات والأرض، وأغوت من سعة باله من عرفنا، ومن زهدت نفسه بالأمور، ومن ظنّ بعلمه، وسعة فقهه قد نجى، ومن استأسد على الأمم بكلماته وحروفه، وزمجر بأعلى صوته، يخفق بارق وجهه حتى يُرى فيُشار له بالبنان، ثم حين يؤذّن داعي الجهاد وحيّ عليه يا عباد الله؛ نكص على عقبيه.. فكيف يؤثّر بالمرء شخصٌ ويغيّر مجرى حياته؟ حتى لكأنّه بدّاه على نفسه يقدّمه، ويعليه مكانةً حتى أنكر عليه أعزّ الناس...